لقد كانت أزمة جريدة الزمان مع عبدالله عابد بشكل مباشر واضحة تمام الوضوح. اخترقت الحجب. وكشفت عن مستور لم يبق تحت الغطاء طويلا. كانت أزمة ثقة. وكانت تعبر عن إشكالية في علاقة كل منهما بالسلطات العليا. الأزمة كما أشرت كانت انحياز كل طرف لجهة بطريقة ما.
الجريدة قامت بالتعزية والتأبين في وفاة والدة حرم الملك. والشريك عبدالله عابد رفض ذلك ولم يقبله.. فنشأت الأزمة وتداعت وكبرت وحصل بشأنها شكاوى عند الملك والنيابة العامة في برقة. لكن الذي حصل في هذه التداعيات وظل يستل الاستغراب بالفعل أنه لم يصل إلى حسم من قبل الديوان أو توجيه من الملك.
وكذا من جهة النيابة. بقي الموضوع معلقا ولم يتم بخصوصه أي إجراء أمام الرأي العام. فهل ثمة جهات تدخلت أو أطراف بعينهم سعوا في تهدئة الأزمة التي ثارت صيف 1960. وهل أحجم الملك نفسه أو ديوانه عن التدخل المباشر أو غير المباشر يومها لمعالجة الازمة واتخاذ القرار المناسب لإيقافها وتجفيف مصادرها؟
إن نأي الملك والديوان بحكم وضعهما في الدولة عن التدخل في المسألة يقودنا من الناحية التاريخية والدستورية حين نقلب الموضوع من عدة وجهات نظر متباينة إلى أن ذلك ظل في منتهى الصواب. فعبدالله عابد من العائلة السنوسية.
وثمة علاقة متينة تربطه مع البوصيري الشلحي ناظر الخاصة الملكية والرجل القوي في رحابها. فإذا حدث وتم هذا التدخل بأي شكل من الأشكال فإن الأمر سيطاله العديد من السهام التي سترمى من هنا وهناك ولن تكون في صالح الملك نفسه أو إدارة الديوان. سيتهم الملك هنا بأنه منحاز أو أن عاطفته تجاه الموضوع ستغلب على شخصيته وموقفه. كان هنا الصمت والتحفظ متوقعا من الملك الذي يعرف ما يدور في كواليس المملكة.
لم يشأ التدخل وآثر الابتعاد رغم شكاوى عمر الأشهب صاحب الجريدة وعلاقاته القديمة في هذه المواقع الرسمية العليا. موقف يتبدى للمتابع دون لبس وظل يختلف تمام الاختلاف عن موقف الملك والديوان في تلك الأيام بذاتها عندما تعطلت صحيفة الليبي في طرابلس وأزمتها مع واليها بوبكر نعامة.
كانت برقية الشكوى من الليبي وصاحبها علي الديب كما نرى في مرحلة قادمة من هذه المقالات لاقت قبولا واهتماما ومتابعة من الملك والديوان بعكس ما تم مع جريدة الزمان وصاحبها. الأيام متقاربة. الأزمتان واضحتان وتشبهان بعضهما رغم بعض التباينات. شكوى من كل جريدة. لكن المعالجة لما حدث للجريدتين اختلف وافترق. وغدا يسترعي الانتباه وليس الاستغراب.
ثم بلغت الأمور منعطفا آخر لجريدة الزمان. الظروف تتلاحق وتتوالى. تطورات في الدولة تلاحظ بلا توقف. الأحوال في العالم حول ليبيا والأوضاع الإقليمية تشهد الجديد. صراعات الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي قبل انهياره تصل إلى حد الانفجار. يمسك العالم الواسع أنفاسه. تضيق في صدره. وتظل ليبيا بموقعها الجغرافي الخطير مسألة حيوية على الدوام.
تبرز بين حين وآخر سواء في العلن أو الخفاء تفاصيل تضيق ولا تتسع تجاه حدود ليبيا وما يتصل بموقعها خاصة بعد اكتشاف البترول وانتشار الشركات الأجنبية والتوسع في تصديره. وتعدد الامتيازات. وانعكاس مظاهر الرخاء في الدولة الليبية. ثمة من يراقب من بعيد.
وثمة من يأخذ مسألة الحدود بعدة أوجه خاصة من أيام الاحتلال الإيطالي جنوبا وشرقا. معاهدات تمت وعقدت وحفظت في أرشيفات الدول والهيئات الدولية. ضرب صفحا من الكثير من الدول عن تلك المشاكل وردمت تحت التراب بعد الحصول على استقلالها. لكنها (أزمات الحدود) باتت تنهض وتتعقد. ثم تختفي وتصل إلى حد النزاع المسلح بين الجيران. مسائل منتهية بحكم الواقع الذي نشأ عن جلاء الاستعمار ونهاياته تظل تطفو وتعلو عند التلال الحارقة يغذيها شيء مجهول أو معلوم. أو أطماع أو مصالح طارئة.
لكن التحريك والتحريض الأجنبي يبقى سمة غالبة على العلاقات. ينعكس عليها. تناقشه المؤتمرات على أعلى المستويات. تناقشه الكتب والصحف والتقارير وتحاليل الخبراء ومطابخ الفعل السياسي.
في الواقع المنظور شهدت الصحافة الليبية خاصة الصادرة في بنغازي نقاشا لم يهدأ في أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات عن مسألة حدود الدولة. خاض في تفاصيلها أصحاب الرأي وشهود العيان الذين كانوا على قيد الحياة يومها وتتقد ذاكرتهم بالعديد من التفاصيل المهمة. شخصيات كانت مسؤولة مسؤولية مباشرة في أواخر العهد العثماني للبلاد وما بعد ذلك. عرفوا الأرض والمواقع قبل أن ترسم الخرائط والأشكال في صورها النهائية.
من بين تلك الصحف كانت صحيفة التاج التي يحررها عمر الأشهب. نشر عدة مقالات لعديد من لهم صلة بهذه المسألة الحيوية. كانت في الغالب كل هذه الآراء والكتابات معززة بالنقاش الهادئ والوثائق ونصوص الاتفاقيات من النواحي التاريخية والسياسية.
وهذه المقالات في مجملها ظلت ضرورية في رأي كل الصحف والكتاب والرأي العام لإجلاء الصدأ عن النقاط والالتباسات التي أضحت تصل على الدوام عبر الصحف العربية المجاورة ومحطات الإذاعات. كانت ليبيا يومها في مهب الريح وتستعد لاستقلالها ولم تكن في حاجة الى هذا الذي جرى لحظة اعلان ميلادها أو قبله بقليل.
ثم خمدت هذه العواصف والرياح. اعتبرت بأنها (طارئة) وليست (لازمة أو ضرورية) وفي كل الأحوال بات النقاش والرد صورة صحية تنعكس في أرض الواقع وتنشره الصحافة بحرية مثلما ظل ينشر ويذاع عند الجيران. لقد كان ذلك واجبا قامت به الصحافة الليبية دفاعا وتوضيحا.
وكان أيضا في صورته الأخرى أفضل من الانحدار إلى المعالجة العسيرة التي قد تفضي إلى العراك.. أو العض بالأسنان!!
غير أن هذا الخمود أو الهدوء ظل يخفي ما يدور تحت الطاولات.
التقارير والأخبار والمصادر المختلفة لمواقع القرار والسلطة في دول مجاورة صورت مسألة الحدود مع ليبيا بتفاصيل تختلف كثيرا عن الأوضاع الحقيقية التي ظلت ثابتة ومعترفا بها دوليا منذ فترات سابقة. لا تحتاج الى نقاش أو إعادة نظر. لكن التطورات العالمية وظروف ليبيا واكتشاف البترول كما ذكرنا جعل من الأنظار ترصد ما يحدث. ليبيا من جديد موقع جغرافي بالغ الحساسية جدا.
كان عمر الأشهب في شهر مايو 1963 في الجزائر. علم من مصادره الخاصة بنقاشات دارت على أعلى المستويات بين زعيمي دولتين عربيتين في لقاء سري ضم وجها معارضا ليبيا يقيم في الخارج حول مسألة الحدود واقتطاع بعض الأراضي والمساحات من ليبيا إلى الدولتين المعنيتين.
الدولة الليبية ممثلة في أجهزتها الأمنية ودوائرها العليا تنامت إلى أسماعها ما وقع عبر ذلك اللقاء. كانت لها مصادرها في الجزائر. التعليمات من الملك صدرت بتوخي الحذر وعدم إثارة الموضوع صحفيا وإعلاميا. الحكومة راعت التعليمات. وتابعت عدم تسرب الأخبار والمعلومات حفاظا على العلاقات مع دول الجوار الشقيقة. لم تكن ليبيا في حاجة إلى إثارة المتاعب لها ولغيرها. الدبلوماسية الهادئة تقود إلى الأفضل دون اللجوء إلى الأسنان مجددا بأي صورة من الصور.
مضت الشهور في صمت. العالم يسير. ليبيا تنهض مع الشمس كل يوم ويطرق سمعها كل جديد كالعادة. لم تكن بمعزل وسط الرمال. كانت حاضرة رغم كل ما يحاك أو يدبر بحسن نية أو غيرها. كان الهدوء في غير محله أحيانا.
الصمت يقرعه صدى الطبول البعيدة. التلال والرمال تتحرك. تحتها ألغام غير مرئية. في الثاني عشر من أكتوبر 1963 صدر العدد (361) من جريدة الزمان في بنغازي. الأشهب اعتراه ضيق مما جرى. استعاد ذكريات جريدته السابقة (التاج).. في الصفحة الأولى من العدد كتب مقالا طويلا عنوانه (مطامع بعض الدول في ليبيا).. أشار فيه إلى ما تسرب خارج الأنابيب عبر تلال الرمال. فماذا قال الأشهب يومها وماذا حدث للزمان؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات