Atwasat

موجةُ حرّ أم دفاعٌ عن النفس؟

جمعة بوكليب 13 ساعة
جمعة بوكليب

صيفٌ أوروبي آخر ساخن جدًا. السخونة المناخية تضافرت وامتزجت بالسخونة السياسية، فتحول العالم إلى صفيح مشتعل. الموجة الحرارية الأولى مرّت خلال الأيام السابقة، وليس من دون ضحايا بشرية. الإحصاءات تؤكد موت أكثر من 1000 شخص في مختلف بلدان أوروبا، وهاهي مراكز الإرصاد الجوي تعلن وتحذر من قرب حلول الموجة الثانية.

الموجة الحرارية في أوروبا أطلقوا عليها اسم «القبّة الحرارية»، كونها تظهر في خرائط الأرصاد الجوية على شكل قبّة تغطي «القارة العجوز».

الموجة الأولى وصلت إلى عواصم ومدن أوروبا منذ أسبوعين تقريباً وأشعلتها. الانزعاج وصل حدّ الإرباك على جميع المستويات، ثم ارتفع قليلاً، ليصل مرحلة القلق. وسائل الإعلام كانت تبث بصفة متواصلة رسائل إلى المواطنين بضرورة التزام الحذر، والحكومات سارعت في اتخاذ وفرض إجراءات، لتدارك الخطر الحراري، والحدّ من ضحاياه.

قبل وصول الموجة الأولى بأيام قليلة، كتب محرر صفحة الأرصاد الجوية في صحيفة «التايمز»، بول سيمونز، في عموده اليومي الآتي: «ثمة مستوى محدد من نفاد الصبر يتزايد، ويتعلق بالوصول المتوقع لطقس أكثر دفئاً وجفافاً، يوصف في بعض الدوائر بـ(موجة حَرّ).

لكن ما يجعل هذا التوقّع صعباً بشكل خاص هو استمرار تساقط الأمطار، والسماء مغيّمة، والجو بارد بشكل يدعو إلى الاعتقاد أن الخريف قد حلّ، وأن موجة الحرّ الأخيرة في الشهر الماضي (مايو) تبدو ذكرى بعيدة».

ما كان ذكرى بعيدة صار واقعاً، بعد أيام قلائل من نشر المقال، يحرق البشر والحيوان والنبات على الأرض، ويشوي الطير في «السما». درجات الحرارة سجلت في مدن عدة أرقاما قياسية جديدة. برامج مراقبة ورصد الأحوال الجوية على شاشات التلفزيونات تُبرز الخريطة الأوروبية وقد سادها اللون الأحمر، وكأنها غابات تشتعل. المدارس أُغلقت، وارتبكت وسائل المواصلات العامة. رحلات القطارات توقفت أو أُلغيت أو أُجلت، ولا ملجأ من شدّة الحرارة سوى الصبر.

المشكلة أن الأوروبيين والصبر خطان متوازيان لا يلتقيان. الأوروبيون منذ زمن تعودوا على تحريك العالم وفق رغباتهم. لكن الطقس والمناخ ظل خارج نطاق السيطرة!

في فرنسا، حسب وسائل الإعلام، هرعت العائلات إلى الفنادق هرباً من شدة الحرّ طلبا لبرودة هواء المكيفات، بينما هرب آخرون إلى البحر، فمات أكثر من 40 فرنسياً غرقاً.

وعلى خشبة المسرح السياسي الأوروبي، اشتدت حرارة النقاش بين أهل اليمين وأهل اليسار؛ الفريق الأول لا يعترف بالتغير المناخي والاحتباس الحراري، ويرى أن المشكلة مصطنعة، والحلّ لموجات الحر متوافر وسهل، وهو تسهيل النظم واللوائح القانونية المفروضة، ليتمكن المواطنون من اقتناء المكيّفات، كما هو الحال في أميركا.

بينما يرى الفريق الثاني أن التغير المناخي حقيقة تؤكدها الوقائع، وما يحدث على سطح الأرض، ومن الأفضل والأجدي ترك العناد جانبا، ومحاولة تدارك الخطر، بما يضمن الحياة للبشر، وأن السماح بالمكيّفات يسهم أكثر في ارتفاع حرارة الطقس بما تضخه من هواء ساخن في الشوارع، وبما تستهلكه من كهرباء تحتاج في الأصل إلى وقود لتوليدها، وهذا يرفع من قيمة فواتير الكهرباء التي يدفعها الناخبون. في حين تفرّغ خبراء الاقتصاد لتحليل الظاهرة المناخية، الممثلة في ارتفاع درجات الحرارة، وتأثيراتها السلبية على اقتصادات الدول الأوروبية.

في العام 1974 كنت طالباً بالسنة الأولى في قسم اللغة الإنجليزية بكلية التربية بطرابلس، وكان أحد الكتب المقررة علينا بعنوان «الإنسان ضد الطبيعة». لا أعرف السبب وراء اختيار ذلك الكُتيب في منهج طلبة يدرسون علم اللغة.

لكنّه على أي حال كان كتاباً صغيراً ومفيداً، لاحتوائه على عديد من القصص التي تركز على الصراعات التي خاضها الإنسان - الأوروبي، أو الغربي عمومًا، لكي يخضع الطبيعة لسيطرته. مضى على تلك الذكرى أكثر من خمسين عاماً، خلالها جرت مياه كثيرة تحت النهر. وها نحن تقريباً نصل إلى مرحلة نكون فيها شهوداً على أن ذلك الصراع لإخضاع الطبيعة نسي، على ما يبدو، أن يأخذ في حسبانه احتمال مقاومة الطبيعة ما يحدثه بها البشر من فظاعات.

الطبيعة فُرض عليها صراعٌ غير متكافئ، وعوملت وكأنها عدو يجب إخضاعه، ولم يُنظر إليها وكأنها صديق. لم يبق شيء لم يفعله البشر ضد الطبيعة، وبذلك لم يتركوا لها سوى جدار أخير، وخيار واحد: حق الدفاع عن النفس من أجل البقاء، إذ لكل فعل رد فعل مساوٍ له في القوة ومعاكس له في الاتجاه، حسبما تؤكد ذلك قوانين نيوتن الفيزيائية.. والبادئ أظلم.

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»

عناوين ذات صلة
هل تغيرت الخارطة الكروية الدولية أم هي ضغوط حماس اللحظة؟
هل تغيرت الخارطة الكروية الدولية أم هي ضغوط حماس اللحظة؟
وكذا حبيبتي في الشعر
وكذا حبيبتي في الشعر
المخابرات الليبية من أين وإلى أين ولماذا؟
المخابرات الليبية من أين وإلى أين ولماذا؟
الترجمة: عندما يعيد النص العتيق تشكيل وعينا
الترجمة: عندما يعيد النص العتيق تشكيل وعينا
الحفر في الذاكرة الليبية: أضواء وظلال على «المنفى الذهبي» لمصطفى يونس (4-7)
الحفر في الذاكرة الليبية: أضواء وظلال على «المنفى الذهبي» لمصطفى يونس ...
المزيد