كضرب من التواطؤ المعلن يحدث عندنا، أن يتحول سلطانُ الجهل إلى قوى وطنية فاعلة، وقد اتخذ هيئة شيخ قبيلة، بوصفه الراعي الحكيم، والأب العطوف الذي تشمل عنايته القطيع كافة، كذلك الفارس المنقذ، والفقيه العالم بأمور ديننا ودنيانا، والسياسي الذي يردد على أسماعنا ليل نهار شعارات العدل والمساواة والتكافل المجتمعي.
وفي هكذا أحوال سيكون دون ريب وجود الجهل بيننا محموداً وحقيقياً، كما لو أنه صديقنا الوفيّ. نستمتع بصحبته ونفخر بمآثره، ونشتاق إليه، وندافع عنه. هذا ما سوف يحدث عندما تتفشى أصالة الجهل فينا، وقد رُبّينا أو رُوّضنا على الولاء المطلق، والطاعة العمياء، وحسن الجوار، بحيث يكون سلطانُنا الذي نفخر بجهالته، مألوفاً لحواسنا ونسيجنا الذهني؛ كجزء من إيقاع أحلامنا وساعاتنا، ولغتنا، وطرائق تفكيرنا، وخامات طعامنا، ومحفزات حركتنا وحراكنا.
لنصبح من ثم سعداء في كل وقت بهكذا «عبودية مختارة»؛ سعداء بأن يتفوق الجهلاء منا في الاستيلاء على «السلطة والثروة والسلاح».
كما يحدث أيضاً، كضرب من التواطؤ الآمن نفسه، أن نُصغي دونما توقف لكل خطب وعظات سلطان جهلنا؛ بوصفه شيخاً حكيماً، وفقيهاً عالماً، لا ينفك بين حين وآخر عن تذكيرنا بمحاربة البدع التي ليست منّا.
وقد كان بدوره قادراً على إقناعنا بيسر. لربما تعزى هذه الميزة لعفوية طبعه البدوي، وصرامة تربيته المحافظة، ليبدو صادقاً مع نفسه وقطيعه الحرّ؛ ولا سيما عندما يتفنن في خنق الحقائق بوحشية منصفة ونزيهة، ويعمل بدهاء على تزييفها في الوقت نفسه، بوتيرة أكثر إنصافاً ونزاهة ورحمة.
وكله أمل في أن يظلّ جهلنا المنظّم بعيداً عن آفات التلوث، ومظاهر التنوير، مصاناً من عدوى الأفكار المضللة؛ ليبقى إلى أبد الآبدين؛ نظيفاً، بلا شوائب أو منشطات مشبوهة.
لذا دأب سلطاننا طوال عهده المجيد، يعمل دون كلل أو ملل، باذلاً كل ما أوتي من قوة وعنف وقسوة، لتأمين أسباب هيمنته على حكم البلاد، بأمانة الحاكم المؤمن بكرامة رعيته، حريصاً على تدوير قوانين الغابة، وشرائعها الصالحة لكل زمان ومكان.
وأيضاً كان بين يوم وآخر يظهر وهو أكثر حماسة في الذود عن مستقبلنا المتخلف. لا يخشى في إحقاق الباطل لومة لائم. لكي يجعل منّا أمة عظيمة، تتشبث دونما هوادة بمكتسيات قهرها وغبائها الأسطوري، محافظة على فضائل وقيم جهلها نقية من آفات التنوير، ومثالب الليبرالية والشيوعية وما جاورهما؛ طالما لا تزهو الحياة إلا به؛ أعني «فخامة سلطان جهلنا» المبجل.
كان سعادته (حفظه الله ورعاه)، يستبد في حكمنا، كمتسلط بريء، لا حدود لرغبته الوفية في ممارسة المزيد من جرائم الجهل البناءة. ملتزماً بأسمى المبادئ الوطنية التي تمليها أخلاق الجلادين.
فيما كان يتعين علينا كرعية وفيّة بين حين وآخر، وبصورة خاصة في الأعياد الوطنية التي نخرج خلالها إلى الميادين العامة، احتفاء بانتصاراتنا التي أبهرت العالم، مبادرين بتقديم آيات العرفان والولاء؛ معبرين في الوقت نفسه عن سعادتنا المطلقة كعبيد سعداء بعبوديتهم، وأبدية تمسكنا المطلق بجهلنا، صانع أمجادنا وعزتنا.
والذي سلبنا إرادتنا بإرادتنا، كأب حنون، وأخ أكبر يقودنا على الدوام نحو مصيرنا المجهول، مجددين كامل الثقة والولاء والطاعة العمياء لحارس جهلنا الملهم. فهو عقلنا وحلمنا وخيالنا وجسدنا ومآلنا، وخارطة طريقنا إلى مجتمع الجَنّة.
ويكفي أننا بفضل ما يتمتع به فخامةُ سلطاننا من مزايا حميدة؛ وقدرات خارقة، بتنا بفضله أكثر تكيفاً وانسجاماً مع تقلبات الرياح وغبارها طيب الأنفاس. وقد أمسى القبح في نظرنا شيئاً اعتيادياً يمكن التعايش مع مظاهره وهضمها بكل يسر. ففي بلاد عريقة وشاسعة مثل ليبيا، لا حاجة البتة لوجود أي نشاط معرفي من شأنه تهديد نقاوة جهلنا، أعني تلك البدع التي هي من سلالة الشيطان؛ كالشعر، والرواية، والمسرح، والسينما، أو أي نشاط فني آخر ينتمي لهكذا فئة ملعونة، بما في ذلك فنون الرسم والنحت والرقص والموسيقى، طالما الرعية قد استمرأت أن تظل الصحراء صحراء كما هي، مكتفية برملها ودوابها، وعواصفها وصمتها الموحش.
لكن قد يحدث مرة أخرى، وكضرب من التواطؤ السريّ، مع المسكوت عنه، أن نتساءل عن مغزى العلاقة التاريخية بين الجهل والسلطة. وهل حقاً، أن السلطة تستمد هيمنتها الكامنة من طاقة الجهل، وحركتها الفاعلة كقوى حقيقية تعشش في العقل الجمعي. حين تعمد آلتها إلى تأسيس الغباء المنظم، وتعبئته بتعاليم شعبوية مؤدلجة، إلى حد قيامها بصناعة نظريات وحروب وكوارث بيئية وجوائح وآفات. ولعل السؤال هنا ينصب تحديداً، حول طبيعة السلالتين: «السلطة والجهل»، من حيث صلة الرحم، والسمات والمصالح المشتركة التي تجعل منهما قرينين سياميين لا يفترقان. وأيضاً بوصفهما حليفين وشريكين يجمعهما مصير واحد (في السراء والضراء). وسوف يدافعان عن وجودهما بشراسة؛ بحيث لا يتورعان في الأثناء، عن ارتكاب أفدح الجرائم بشاعة ضد البشرية حفاظاً على بقائهما، وتمديد سلطانهما إلى أقصى حد.
لهذا وذاك، احتفظت لنا حفريات التأويل بعديد التوصيفات والأسماء التي تختزل هكذا علاقة، مثل: «الجهل المقدس» لدى أوليفييه روا، أو الجهل المؤسس، كما يسميه محمد أركون. ولعل هذا الضرب من العلاقات العجيبة قد يذهب إلى أبعد حد؛ عندما يُولي الأحياءُ أمرَ حكمهم إلى سلطان الموتى. وهذا فيما أظن، يُعدّ من أكثر أشكال التحالف غرابةً وتعقيداً بين «الجهل والسلطة». والله أعلم.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات