Atwasat

الحفر في الذاكرة الليبية: أضواء وظلال على المنفى الذهبي لمصطفى يونس (5-7)

محمود أحمد أبوصوة 5 ساعات
محمود أحمد أبوصوة

باختصار؛ لم يكن هدف فلسفة الاحتلال إصلاح التعليم، بل العمل الممنهج على تنشئة الأطفال تنشئة "وظيفية تابعة"، غايتها وضمانتها بقاء الحال على ما هو عليه، أو ربما أسوأ؛ فالطفل الليبي كان يُعدّ في تلك المصانع الاستعمارية ليكون حدادا، أو نجارا، أو جنديا، أو شرطيا، أو مخبرا في خدمة الإدارة الفاشية. بناء عليه، يمكن القول بأن الدعوة البالبية للتغيير الاجتماعي والمدني ، في فترة ما بعد التهجير والإبادة الجسدية الشرسة، كانت بمثابة "كلمة حق أُريد بها باطل".

فالشعوذة والخرافة، التي كان يقودها بعض أدعياء التصوف، لم تكن هي المستهدفة بالحظر إطلاقا. بل إن المعنيين بالمنع والقمع ، كما ينقل مصطفى يونس نفسه، هم الصوفيون "الذين كانوا يعتبرون معارضين للوجود الاستعماري الإيطالي في ليبيا"؛ أما بقية الفرق وطرق "الدراويش" المهتمة بترتيل الترانيم والأذكار والمدائح على أصوات الدفوف، فقد استمالتهم حكومة بالبو ودجنتهم بالكامل (ص. 268). ومساعي الاحتلال لاستقطاب العوام بعد استمالة رموزهم التقليدية، تشي بها سياسات الحكومة الاستعمارية التي بادرت ، بالاتفاق المباشر مع موسوليني وإمبراطور إيطاليا، بترميم "وإضافة مآذن لعدد من المساجد، فضلا عن ترميم بعض الأضرحة في المدن الليبية وفي المناطق الصحراوية والنائية" (ص. 225). وبناء على هذه الهندسة السياسية، يخلص مصطفى يونس، وبسبب امتثاله شبه التام للرواية الإيطالية ، إلى أن "سياسة الاحترام الديني والتقدم الاجتماعي التي طبقتها الحكومة الفاشية بحزم وتصميم، كانت لها نتائج ممتازة في مشوار بالبو في ليبيا" (ص. 252)

ومن بين هذه "النتائج الممتازة" في نظر يونس، ما حدث خلال رحلة موسوليني إلى ليبيا في مارس 1937، حيث قام بزيارة بعض المساجد وأضرحة الأولياء؛ كضريح الشيخ عبد السلام الأسمر في زليتن (الذي يُعد المركز الديني الأكثر تفضيلا وجاذبية لدى المسلمين الليبيين)، وضريح سيدي رافع في مدينة البيضاء. وقد بلغت الدعاية الفاشية ذروتها الاستعراضية بمناسبة الحفل الكبير الذي نُظّم للدوتشي في طرابلس يوم 18 مارس 1937؛ وحينها اقترب أحد وجهاء المسلمين (يوسف خربيش) من موسوليني حاملا سيفا بيده، ومخاطبا إياه بتلك العبارة الصادمة: "بالنيابة عن عساكر ومسلمي ليبيا، المفتخرين بأنهم أبناء إيطاليا الفاشية، أتشرف بتقديم سيف الإسلام القاطع" (ص. 254)

والسؤال الجوهري الذي يتجنبه مصطفى يونس ويقفز عليه تماما هو: إذا سلمنا جدلا بأن إيطاليا حققت كل هذه "النجاحات الممتازة" والوئام المشترك، فبماذا نفسر عزوف غالبية المجتمع الليبي المطلق عن الاندماج في ثقافة المحتل؟ فبينما فضلت الأغلبية الساحقة من الليبيين إرسال فلذات أكبادها للكتاتيب والمساجد التقليدية تحصينا لهويتهم، ما فتئ أعيان البلاد وتجارها يرسلون أبناءهم بعيدا عن مدارس بالبو الحديثة إلى مصر (جامع الأزهر) وتونس (جامع الزيتونة) طلبا للعلم. وهي ظاهرة اجتماعية ومقاومة ناعمة لا يخفيها البحاث والمؤرخون الإيطاليون أنفسهم حتى عند حديثهم عن "المدرسة الإسلامية العليا" بطرابلس، والتي أُسست أساسا لقطع الطريق على هجرة العقول الليبية نحو المشرق والمغرب العربي- الإسلامي وتطويق وعيهم الديني والقومي.

واتساقاً مع مقاربة التحديث، يشير الباحث الليبي إلى أن بالبو: «كان ملتزما بشكل خاص بدعم وتشجيع إصلاح البنية أو الهيكلية البدائية للمجتمع الليبي بدلا من تغييرها بالكامل، من خلال تشجيع هذا المجتمع نفسه... الذي انتقل من المرحلة البدائية الأولية إلى واقع التحديث وآفاق الحضارة الإيطالية؛ وعلى الأقل كان هذا هو الهدف الرئيسي المعلن، والسعي لرفع حالة المستعمرة الإيطالية إلى ما فوق مستوى الإمبراطوريتين الإنجليزية والفرنسية"(ص.270).ومن نافلة القول، إن بالبو كان يدرك تماما استحالة مقارنة إيطاليا (فضلاً عن مستعمرتها ليبيا) بهاتين القوتين العظميين؛ فإيطاليا تدين بالكثير للثورة الفرنسية ولنابليون في فترة توحيد البلاد، وظل التأثير الفرنسي ملازما لكثير من سياساتها حتى عشية الحرب العالمية الثانية. وهذا ما يذكره الباحث الليبي نفسه في سياق حديثه عن ضم مدن الساحل (طرابلس، ومصراتة، وبنغازي، ودرنة) لإيطاليا، حيث يرى يونس أن هذه العملية كانت مشابهة «تماماً لما طبقه الفرنسيون في الجزائر"(ص.290).

ليس هذا وحسب، بل إن المتمعن في هذه السياسات المستوحاة من التجربة الفرنسية في الجزائر، يتبين له حذو الإيطاليين النعل بالنعل للفرنسيين، عبر قرن الغزو العسكري بالغزو الثقافي. فخلال الاحتلال الفرنسي للجزائر مثلا، لم تحرص فرنسا على تجهيل المحليين وحسب، بل حرصت أيضا على ربط عملية "التحضّر"، إذا ما قُدِّر لهؤلاء أن يتحضروا ، بمعايشتهم للجاليات الفرنسية . وهذا تماما ما اتبعته إيطاليا في ليبيا؛ فإيطاليا لم ترغب يوما في جعل الليبيين مساوين للإيطاليين، بل عُوملوا ، وأيا كانت نوايا الاحتلال في العهدين الليبرالي والفاشي ، كسكانٍ محليين وأصليين، لا كمواطنين؛ ولن أخوض هنا في جزئيات الإبادة، والتهجير، والسخرة، واستعمال الغازات السامة ضد القبائل الليبية المقاتلة، بل سأتوقف قليلا عند مسألة "المواطنة" تحديدا.

1- وعند تدقيق النظر في الجهاز المفاهيمي والأدوات التحليلية التي استخدمها مصطفى يونس، يخلص المتمعن في تعليقاته على السردية الفاشية إلى أنها اختُزِلت، بالكامل تقريبا، في جمل اعتراضية حذرة ومترددة؛ على غرار: (على ما يبدو)، (على حد زعمه)، (في رأي المحتل)، (إلى حد ما)، (على الأرجح)، أو (وفقاً للدعاية الفاشية). هذا المسلك اللغوي ينم عن محاولة للنأي بالنفس عن الرواية الاستعمارية، لكنه ظل عاجزا عن تقديم بديل معرفي أو تفكيك بنيوي صلب لتلك السردية.

ومن جانب آخر، وباعتبار أن الكتاب يميل في بنيته العامة إلى كونه عملا تجميعيا (Compilation work)؛ نجد أن المؤلف كثيرا ما يعتمد في مناقشة سياسات سلطة الاحتلال في ليبيا على آراء غيره من الباحثين والناقدين. ولئن كان الاستشهاد بالدراسات السابقة جزءا لا يتجزأ من الأمانة العلمية والتقاليد البحثية، إلا أن العُرف الأكاديمي جرى على استدعاء تلك الأعمال لغرض محدد: إما لدعم فكرة يتبناها الباحث ويطورها، أو لدحض أطروحة يفندها. وهذا التوظيف الحِجاجي والجدلي هو بالتحديد ما غاب عن منهجية مصطفى يونس، الذي اكتفى بسرد تلك الآراء دون صهرها في بوتقة نقدية تخدم سياق أطروحته.

2- Robin Bidwell, Morocco under colonial rule: French administration of tribal areas, London, Frank Cass, 1973, 237



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»