حشد من الشعراء والرسامين وصيادي السمك وحوكيي الحرير، والبهاليل والحكماء والوثائق المنسية وأدب النساء والشغف والشغب، تاريخ من التنبيش في أكوام قشنا عن الذات وعن البلد والثقافة، تلك هي أسماء الأسطى وخزنتها أو «سحاريتها».
في الربع الأخير من القرن العشرين، وبعد محنة «الأسبوع الثقافي» واعتقال من تبقى من جيل السبعينيات من شعراء وكتاب قصة ونقد، واكتمال مهمة «قوى الثورة» في القضاء على أصوات التحديث في الأدب الليبي بالاعتقال، ومحاكمة نصوص الحداثة بتهم الخروج عن «الوزن والقافية وعمود الشعر والقصة»، وإصدار أحكام المؤبد بحق شعرائها وكتابها، ومع وصول موكب الشعراء والقصاصين والنقاد إلى سجن الكويفية مكبلين بالأغلال الواقعية «وليس المجازية»، أحسسنا نحن من سبقهم إلى السجن أن مشروع الحداثة الأدبية في ليبيا قد تلقى في الرأس رصاصة الإعدام.
كانت حفلة إعدام الحداثة الأدبية قد تمت عشية يوم قاسٍ في «مدرسة شهداء يناير» ببنغازي.
كنا نتوقع فراغاً وردة ثقافية وركوناً إلى «الامتثال» الفكري والأدبي بعد حملات التطهير والتجريف لكل تحديث، ولكن، ورغم تلك الحملات التي توجتها «غزوة الأسبوع الثقافي»، أفرزت الحركة الثقافية الليبية في فترة الثمانينيات من ذاك القرن أصواتاً أدبية خرجت من تحت أنقاض مشروع التحديث المدمر لتواصل مسيرة التحديث في الأدب والتمرد على «الامتثال».
الشعر الليبي، وبعد «جيل الأسبوع الثقافي» المغدور، واصل إنتاج قصيدته الحديثة، لتواصل الحداثة معركتها الليبية وسط ركام الردة والهزائم، فبرزت أصوات تحمل وتصر على التحديث ومقاومة «الامتثال»، فكان مفتاح العماري وفرج العشة وفرج العربي وفاطمة محمود وفوزية شلابي أبرز تلك الأصوات التي بدأت تخوض حرب «الاسترداد الأدبي» وترفع شعلة التنوير والتحديث وسط خرائب الثقافة، كان إرث جيل «الأسبوع الثقافي» المغدور وإرث جيل الستينيات التحديثي ينهض في أصوات هؤلاء الشعراء.
وفي لحظة من لحظات تلك المعارك، فاجأنا صوت «أسماء الطرابلسي» بصوت مدينة تهمس من تحت أنقاضها بالشعر والورد والحرية، كان صوت امرأة مدينة، صوت «أسماء الأسطى»، صوت المدينة وهي تسترد أنفاسها وتهمس ببشائر النثر.
وكما فعل «رامبو»، وفعل «الجيلاني طريبشان» في لحظة يأس، ألقت «أسماء الأسطى» بأشعارها للنسيان لتفتح «سحاريتها» الطرابلسية للنثر والتنبيش، بحثاً وسط الأنقاض عن «معنى الكيان»، وعن بدايات النهضة، وعن «خديجة الجهمي» رائدة التحديث الاجتماعي والثقافي في ليبيا، وعن أصوات «التحديث» في الثقافة الليبية عامة.
أسماء الأسطى تتوزع مشاغلها واهتماماتها بين أجناس المنتوج الثقافي الليبي الحديث، ولا تتوقف عن أنبوشاتها في الفن التشكيلي والشعر والنثر والأدب النسائي والصحافة الليبية، ململمةً بهمة وتفانٍ ذاك المنتوج المتناثر بين الصحف والمجلات والكتب المنسية، لتتنوع محتويات سحاريتها بكل ما أنتج الليبيون في العصر الحديث من آداب وفنون.
سحارية أسماء الأسطى تمثل مشروعاً وطنياً لجمع شتات ما تناثر في واحات وصحارى ومدن وأرياف البلاد من شتلات التحديث الليبية.
الشعراء والقصاصون والتشكيليون والحوكيون وناثرو الأمثال الشعبية وكتاب التاريخ والحكايات والبهاليل والشطار، وكل من أنتج أدباً وفناً وصحافة، تواصل أسماء الأسطى لملمة إنتاجهم المتناثر، وسير تيههم الطويل في سحاريتها.
البحث والتنبيش عن كل ذاك الإنتاج الأدبي الليبي يمثل محاولة جادة لجمع شتات ثقافة يهددها الشتات والتشظي عبر قرون التكوين الحديث لهذا الكيان.
سحارية أسماء، وأعمال عبد الله مليطان، وبعض المحاولات الأخرى لجمع شتات الثقافة الحديثة في ليبيا، هي أعمال مؤسسات يقوم بها أفراد عزل ووحيدون، وكل ذلك في غياب مشروع وطني يجمع ما تناثر من وطن.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات