Atwasat

العراق ومحاربة الفاسدين

ميلاد عمر المزوغي 4 ساعات
ميلاد عمر المزوغي

المداهمات التي تتم بحق الفاسدين العراقيين ليست استفاقة حكومية، ولكن لأن الحكومة تشكلت برعاية أميركية؛ يعني أن الأميركيين هم الذين يقومون بالحملة على الفساد. وربما يتبادر إلى ذهن كل منا: ما فائدة إجراء الانتخابات البرلمانية العراقية وما صاحبها من حملات انتخابية لمختلف الطوائف والأعراق، وفي النتيجة الأميركي هو من يتحكم في من يكون بالمنطقة الخضراء ببغداد (التي تضم رئاسة الحكومة العراقية والسفارة الأميركية التي تعد الأكبر في العالم)؟ سؤال نعرف إجابته مسبقاً، ولن يقوى متصدرو المشهد في العراق على الإفصاح به، وهو أن العراق مرتمٍ بالكامل في أحضان أميركا، وإن حاول بعض ساسته إحداث نوع من التوازن في المصالح مع إيران.

يشهد العراق حملة واسعة على الفاسدين طالت أعضاء من مجلس النواب وبعض المسؤولين السابقين والحاليين بالدولة (جاءت الحملة بناءً على اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط المحتجز في قضايا فساد عدنان الجميلي). الأموال كانت بأرقام كبيرة بالعملتين المحلية والدولار الأميركي، إضافة إلى سبائك الذهب والمعادن الثمينة الأخرى، فضلاً عن الأصول الثابتة والمتمثلة في القصور الفارهة بالداخل، وقد يُصار إلى ملاحقة هؤلاء والحجز على أصولهم الثابتة والمنقولة بالخارج؛ كيف لا وأميركا هي من تتزعم الحملة، ليس حباً في العراقيين، بل لتذكير الفاسدين أن أميركا لا تزال اللاعب الأقوى على الأرض العراقية، كما أنها تهدف إلى «تقصيف» أجنحة «إيران» بالعراق، وعدم ترك الفرصة لهم لمساعدة إيران في اختراق الحظر المالي والاقتصادي المفروض أميركياً عليها.

ربما لم يشهد العراق حملة كهذه منذ حوالي ربع قرن من الزمن، ما يعني أن الفاسدين قد أخذوا راحتهم في الثراء الفاحش، وكانوا يظنون أنهم في مأمن من الملاحقات؛ فالحكومات العراقية المتعاقبة بعد الغزو حكومات محاصصة عرقية ومذهبية، يعمل جميع أعضائها على نهب المال العام دونما رقيب أو حسيب.

أُطلِق على العملية «صولة الفجر»، وذُكِر أن هذه الحملة تمثل تحولاً جذرياً في سياسة الدولة تجاه ملفات الفساد، وتهدف إلى ملاحقة المتورطين بغض النظر عن مناصبهم أو نفوذهم. وتتحدث المصادر عن ارتباط الحملة بملفات إقليمية ودولية؛ ملفات تهريب النفط وتمويل فصائل مسلحة. وأشارت التقارير إلى وجود ضغوط دولية، خاصة من الولايات المتحدة، لاتخاذ إجراءات ملموسة ضد الفساد. ورئيس الحكومة الزيدي تعهد بحصر سلاح المجموعات المقربة من إيران، وهو ما تضغط الولايات المتحدة على بغداد لتحقيقه. ووفق بيان حكومي، فقد أُكِّد أن الحكومة تعمل على احتكار السلاح (للمجموعات المقربة من إيران) بيد الدولة ومنع الفاسدين من التغلغل في مؤسساتها، في إطار إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. وتجدر الإشارة إلى أن القضاء العراقي قد حكم في تشرين الثاني 2024 بالسجن على رجل أعمال ومسؤولين سابقين وموظفين حكوميين لتورطهم في سرقة 2.5 مليار دولار من أمانات ضريبية، وتُعدّ تلك القضية، المعروفة بـ«سرقة القرن»، واحدة من أكبر السرقات في تاريخ العراق المعاصر.

يقول البعض بأن الحملة تأتي قبل زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن المقررة في منتصف يوليو 2026، في محاولة لإظهار جدية الحكومة في الإصلاح! والسؤال هنا: هل سيكون هناك إصلاح فعلي، أم أنه تلبية لإملاءات الإدارة الأميركية؟



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»