Atwasat

الكبتي ودربه الأقوى

أمين مازن 12 ساعة
أمين مازن

لم أكد أستطعم مسرتي بحضور لقاء السبت الذي دأب على تنظيمه أسبوعيا تحت مسمى «الصالون الثقافي لحزب السلام والازدهار»، حتى وجدتني ازداد انتشاء عندما تبين لي أن المتحدث هو الباحث المثابر الأستاذ سالم الكبتي، الرجل الذي لا يهاب مسافة من أطول المسافات، وهو يحرص على الإسهام في أي محفل يتعلق بالثقافة في أي مدينة من المدن، وحضر هذه المرة مستجيبا للدعوة الموجهة إليه للمشاركة في أنشطة هذا الصالون، التي حرص كما فهمت من الحديث أن يشمل بها أكثر من تجمع، وقد حددها للنشاط الإذاعي في فترة حصرها بدولة الاستقلال حتى حلول العام السبعين من القرن الماضي، بحيث لم تكد عقارب الساعة تصل إلى الحادية عشرة، وهو موعد النشاط، حتى أمسك العزيز الودود بناصية الحديث حول النشاط الذي عرفته مدننا في زمن الاستقلال من مدينتي طرابلس وبنغازي من خلال ذلك الجيل الذي رافق رحلة التعبير، وهو يجمع بين الشعر والنثر، والتطلع لإصدار الكتاب الذي طالما وثق وسعى إلى تجسيد المنجز الفكري المعبر عن النهضة والتحرر، والوصول إلى المستوى المساوي لما وصل إليه عديد المجايلين العرب.

ونحن ننحى منحاهم بتبني مطالب النهضة والتحرر، والوصول إلى المستوى الجيد المنشغل بهموم الوطن وآماله وتطلعاته، للحاق بقطار التطور العالمي، وما دأب على فرضه من الأسئلة المثيرة مما ليس أمام كل من أوتي شيئا من جوامع الكلَم إلا أن يقترب منها، ويسعى إلى إنجاز شيء من النصوص النابعة من واقع المتعايشين فوقها بآمالهم ولحظات سرورهم وعجزهم، تلك التي طالما حفلت بها الذاكرة الجمعية مما لم يسأم العكوف عليها أمثال سالم الكبتي عندما شهد له إسهامه في أول أثر مكتوب، تمثل في ديوان «الشعر الشعبي»، الذي رعته الجامعة الليبية في بنغازي عندما وجد فيها أحد المثقفين الليبيين المؤهلين خير مَنفَذٍ لممارسة ما لديه من إمكانات علمية استعصت على الإقصاء الذي كاد يسود بتأثير الهجمة التي استهدفت جميع ما عرفته الحياة من شروط البقاء عقب سقوط التجربة التقليدية في العام التاسع والستين من القرن الماضي، عندما كانت المنطقة تشهد أكثر من تحرك، كان في الكثير منه ما يهدد الوجود الليبي، لما تأكد من احتوائه على الثروة النفطية، وما يحيط بها من يسر الاستثمار، المتمثل في الندرة السكانية والحماس الكبير للمشروعات الوحدوية غير المتكافئة، وما كانت تنذر به من إمكانية الابتلاع، وقد كان لها في الظروف الدولية الكثير مما يسوغها لولا الصراع التاريخي المتعلق بنا منذ انتهاء الحرب الكونية الثانية، وبروز إقامة كيان مستقل كمخرج أيسر ريثما تحل تسويات أنسب.

وقد انتهت يومئذ بمولد ليبيا كمملكة ولِدت مع الزمن الذي بدأت فيه العروش تفقد بريقها ومقدرتها على أداء المطلوب، وبدأ تحركها بالقليل من المال، ولم تكد تحتفل بعيد استقلالها العاشر حتى بدأ تصدير البترول، وتبين معه للشركاء عجز الملك المسن عن أداء المطلوب، فكان السماح لقيادة جديدة أن تنقض على السلطة، وتدوم لأربعة عقود، كان للحضور الفكري فيها وجوده مما تحدث عنه الكبتي في أسماء حددها، وأشاد بقدراتها في أكثر من مكتوب، ودفعت لاحقا أكثر من ثمن.

وشارك في الحديث عديد الحاضرين بما لديهم من الإضافة، أهمه الدعوة إلى تناول السبعين سنة الكاملة التي تلت قيام الدولة الليبية، الملكية وما بعد الملكية، وأخيرا التنبه إلى ما يبدو إلحاحا من الاستحقاقات المتعلقة بضرورة الحذر من مغريات المساحة وسهولة الاختراق، وصعوبة التخلص ما لم يتجه الجميع إلى استشعار المسئولية، والقبول بالإكراهات التي تؤذن بالوصول إلى أيسر المخارج.

مع وافر الاحترام وجزيل الشكر لسالم الكبتي، ومن على دربه الوطني الأجدى والأبقى.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»