حسنُ الحظ مثل الريح مزاجي الطبع؛ يغيّر أصحابه أكثر مما يغيّر قمصانه. قد يصاحب البعض لفترة قصيرة أو طويلة من الزمن، وقد يزور البعض مرات، أما الذين يسمعون به ولم يروه قط في حيواتهم، فلا أحد يحسدهم أو يتمنّى أن يكون في مكانهم.
حسن الحظ لازم نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، فترة طويلة جداً، اللهم لا حسد. إذ انتشله من قاع جُبّ النسيان والفقر والمصائب العائلية، وحلّق به عالياً إلى قمة مخصصة للنسور. في ذلك المكان العالي، يبدو العالم للرائي صغيراً وضعيفاً، فيحسُّ بالزهو حد «التطوّس» أي يصير مثل الطواويس، ومثلها يفتح ريشه افتتاناً بجماله. الذين أتيحت لهم فرصة قراءة سيرته الذاتية في كتابه المعنّون «مرثية هيلبيلي - Hillbilly Elegy» لا يجهلون ذلك.
نائب الرئيس الأميركي بعد عودته أخيراً من لقاء الوفد الإيراني في سويسرا أثار غضب فئات كثيرة في أميركا وفي العالم. في بلاده، أشعل غضب المؤيدين لإسرائيل خاصة في دوائر الحزب الجمهوري من خلال تصريحات أدلى بها في مقابلات تلفزيونية نبّه فيها إلى حقيقة أن المصالح الأميركية قد تتناقض أحياناً قليلة مع مصالح الحليفة إسرائيل، وهو أمر طبيعي. وفي الخارج، أثار كذلك غضب ساسة إسرائيل من جميع الأحزاب بما أنجزه من مفاوضات مع الوفد الإيراني وما أدلى به من تصريحات.
جي دي فانس كان خلال الأيام القليلة الماضية التي تلت التوقيع على الاتفاق بوقف الأعمال العدوانية مؤقتاً بمثابة درع تقي الرئيس ترامب سهام غضب المنتقدين الإسرائيليين وأنصارهم ويرد لهم الصاع صاعين، بتذكيرهم ببعض الحقائق التي تعمدوا إغفالها. الأمر الذي حذا ببعض المعلقين في أميركا وخارجها إلى التلميح بأن حلم جي دي فانس في خلافة الرئيس دونالد ترامب أصبح يقترب كثيراً من حلم إبليس في دخول الجنّة!
في تصريح أدلى به، تعليقاً على تلك المفاوضات، قال الرئيس ترامب بصراحة معهودة عنه: «إذا نجح جي دي فانس في المفاوضات أنسبُ النجاح لنفسي، وإذا فشل أنسب الفشل إليه». وفي مقابلة لاحقة، وُوجه فانس بتصريح الرئيس، فرد قائلاً إن الرئيس قال ذلك كنكتة ليس غير. والحقيقة أن الرئيس ترامب يجنح أحياناً في تصريحاته إلى الظرافة، لكن تلك النكتة تحديداً لا تخلو من جدّية وواقعية.
الغضب مما أدلى به نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس لم يقتصر على قادة إسرائيل وأنصارهم، بل أغضب فئات كثيرة في ليبيا! والسبب لأن نائب الرئيس تجرأ وقال إن لا أحد يريد أن تتحول إيران إلى ليبيا أخرى. مواقع التواصل الاجتماعي الليبية على الإنترنت فاضت بذلك الغضب، وأكثره تحول إلى سباب وشتائم، وكأن السيد فانس عفس على أصابع أقدامهم فأوجعهم بالإشارة إلى سوء الوضع في بلادهم وانعكاساته السلبية التي تجاوزت حدود بلادهم وطالت دول الجيران، وتلك التي تقع على الضفة المقابلة لساحلهم، الأمر الذي لا يتمنى عاقل حدوثه في دولة أخرى.
من الممكن جداً استيعاب الغضب في إسرائيل أو في دوائر حلفائها في أميركا وخارجها على اعتبار أن تصريحات جي دي فانس تجاوزت خطوطاً حمراء لم يسبق تجاوزها، وآخذاً في الاعتبار العلاقة المفصلية التاريخية التي تأسست بين الدولتين منذ ظهور دولة إسرائيل على خريطة العالم في العام 1948. لكن، من جهة أخرى، يصعب جداً استيعاب غضب البعض من الليبيين. على سبيل المثال، هل ينكر أولئك الغاضبون الوضعية السيئة جداً لما يحدث في بلادهم؟ وهل هم راضون عنها؟ وأين تحديداً أخطأ نائب الرئيس الأميركي؟ وهل سبق لهم الاستماع إلى الأميركية ستيفاني وليامز، أو قراءة كتابها؟
ما لا ينكره أو يختلف حوله عاقلان هو أن محاولة تغطية عين الشمس بغربال لم تكن، ولن تكون مطلقاً وسيلة نافعة لحجب ضيائها. والذين يفعلون ذلك هم من المستفيدين من الوضع المنهار أو من (مذهوبي الشيرة). الحقيقة المُرّة التي لا بد من الإقرار بها علناً هي أن الوضع في ليبيا خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة بلغ درجة من السوء لا يتمنى المرء حدوثها لأي بلد وشعب آخرين.
ثمة مثل شعبي ليبي يقول: «عوينات الحق سماح». بمعنى إذا كان لا بد للغضب أن يظهر في ليبيا، فليس ضد من نطق صدقاً وذكّرهم بتلك الوضعية المؤلمة والمحزنة التي يعيشونها وتمرمر حيواتهم وتحرمهم من نعمة العيش الآمن والكريم في بلادهم، بل ضد الفئة أو الفئات المسببة للأزمة والوضعية، والحريصة على استمرارهما.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات