Atwasat

الحفر في الذاكرة الليبية: أضواء وظلال على «المنفى الذهبي» لمصطفى يونس (2-7)

محمود أحمد أبوصوة 17 ساعة
محمود أحمد أبوصوة

ننشر اليوم الحلقة الثانية من مراجعة الدكتور محمود أحمد أبو صوة لكتاب "المفى الذهبي"، والدكتور أبوصوة أستاذ تاريخ العصور الوسطى (العصور الإسلامية) وله كتب مهمة في هذا المجال تتسم بالتجديد والاجتهاد والجرأة، كما أن نطاق اهتمامه يتجاوز أسوار تخصصه، فيجتهد في الكتابة في مجالات سياسية وفكرية وفي الشأن الليبي.
فأهلا به أستاذا وصديقا وزميلا.
(الوسط)

وللتذكير أيضا، فإن مفهوم "الدولة-الأمة" يشكو في الأصل من عيوب عدة، أبرزها دمج مفهومي الدولة والأمة رغم تباينهما الجوهري؛ صحيح أنه يمكن الجمع بينهما، فالأمة هي مجموعة من البشر تربطهم روابط مشتركة كاللغة، والتاريخ، والثقافة، وربما الدين والعرق، فضلا عن المصالح؛ وبهذا المعنى يعكس مفهوم الأمة روح الجماعة وهويتها. أما الدولة فعبارة عن تنظيم سياسي يدير إقليما له حدود جغرافية محددة ذات سيادة؛ وبهذا المعنى يمكن وصف الدولة بالجسد التنظيمي. ومع ذلك، ورغم نجاح معظم دول أوروبا الغربية في دمج المفهومين، فإن ديناميكية "المصالح" ظلت تشكل تهديدا لا يستهان به لكيان الدولة-الأمة. والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فوحدة إيطاليا على سبيل المثال، والتي تحققت في ثمانينيات القرن التاسع عشر، تبدو اليوم على المحك بسبب الفوارق الاجتماعية والاقتصادية الحادة بين الشمال والجنوب. ولأسباب أخرى يضيق المجال لذكرها، تبدو وحدة إسبانيا هي الأخرى آيلة للتجزئة بسبب التنافر الحاد بين إقليم كتالونيا وحكومة مدريد، ناهيك عن الإرث الانفصالي في إقليم الباسك.
صحيح أن الوضع في فرنسا يبدو أفضل حالا من جارتيها (إسبانيا وإيطاليا)، ومرد ذلك إلى استجابة باريس عقب أحداث مايو 1968 لمطالب المحتجين بـ"الحق في التسيير الذاتي" (Autogestion)، أي إدارة الشؤون المحلية بأنفسهم، وهو ما يمثل جوهر اللامركزية. لكن المتابع للسياسات الاجتماعية في فرنسا اليوم يخلص إلى أن انقسام البلاد (شمال/جنوب) ما زال قائما ويشكل تهديدا حقيقيا للدولة-الأمة؛ ولهذا الخطر أسباب كثيرة أبرزها الحضور المستمر لمركزية ثقافية صارمة وظيفتها صهر الجميع في هوية واحدة؛ هوية لم تكن الأمة في تقديري ناظمها بل الأرض (التراب). والقفز على هذه الحقيقة البسيطة لم يؤد إلى تآكل المركزية الثقافية وحسب، بل وإلى انبعاث قوي للهويات المحلية التي يطالب بعضها باللامركزية وبعضها الآخر بالانفصال التام.
لذا، فقد كان لزاما على النخب السياسية في فرنسا أن تعترف بتعددية المجتمع من ناحية، وأن تدرك من ناحية أخرى بأن استمرار الحكم بأسلوب "الملكية الإدارية" بات مستحيلا1وبناء عليه، أقدمت الدولة على إصلاحات إدارية جوهرية توجت بصدور القانون رقم 82-213، والذي صار يُعرف بـ"قانون دي فير" (Loi Defferre)، مُنحت بموجبه الأقاليم والبلديات صلاحيات واسعة رسخت بالتدريج مفهوم اللامركزية. ورغم أهمية هذه الدينامية المحلية في تآكل ثقافة الدولة–الأمة المركزية، فإنه لا يمكن إغفال الدينامية الخارجية وتأثيرها في عصر العولمة؛ ذلك العصر الذي تحولت فيه الدولة-الأمة إلى مجرد منفذ موضعي للسياسات العالمية الشاملة. والسؤال هنا: ماذا عن بلد مثل ليبيا، بلد حرصت نخبه منذ انقلاب سبتمبر لا فحسب على إغفال مفهوم الدولة، بل وأيضا على تعنيف مفهوم الأمة؟
ليس من السهل الإجابة عن هذا السؤال أيضا؛ فالخوض فيه يستدعي استحضار الكثير من التفاصيل التي لا يسمح المجال بإبانتها؛ ومع ذلك، واتساقا مع فكرة التأميم، تأميم المحليين في العصر الحديث لسياسات الوافد، أزعم أن الإجابة عن هذا السؤال من منظور التأميم كفيلة بإزاحة بعض الغموض عن ظاهرة الجمود التاريخي. فالتأميم، وكما يعلم الجميع، لا يعني الملكية بل يعني الحيازة! وهذه الأخيرة، وإن تؤدِّيَ وفق ترتيبات معينة إلى اكتساب الملكية، تظل مغايرة لها؛ حيث إنها تكاد تنحصر في حضانة شيء مادي أو السيطرة الإجرائية عليه. ومن هذا المنطلق، وفي مجال "بناء سلطة مركزية"، أقدم المحليون على تأميم مفهوم الدولة، دولة اليعاقبة تحديدا، دون مراعاة لتاريخية الفكرة أو مبادئها السياقية. فاليعقوبية، وباختصار شديد، تستند إلى ركيزتين: ركيزة العقيدة وركيزة السلطة. وحين قررت الزعامات المحلية إدارة بلدانها، لم يعتمدوا أنموذج الدولة-الأمة كبنية متكاملة، بل انحازوا بشكل مطلق إلى ركيزة السلطة دون مراعاة لحقيقة المفهومين؛ فالأمة في العصر الحديث عبارة عن كيان مكون من مواطنين أحرار ومتساوين، أما الدولة فهي كيان مجرد تديره أجهزة بيروقراطية وأمنية وعسكرية.
وهذا الخيار، أي اختزال الدولة في أدوات السلطة، هو ما تسبب في استفحال الاستبداد في معظم بلدان دار الإسلام، مما جعل الباحثين المحليين يختزلون ظاهرة الانسداد المعرفي في جانبها السياسي الصرف. ومن المؤكد أن العامل السياسي مهم، لكن أهميته تظل محدودة الأثر ما لم تسبقها مراجعة شاملة لـ"هيكلته الفكرية". ولأن هذا التفكيك لم يحدث في معظم بلدان المنطقة، تماهت السياسات المحلية الوطنية كثيرا مع استراتيجيات المحتل السابق؛ وهو اتفاق يرصده المرء ببساطة شديدة من خلال تتبع استراتيجيات التنمية في الطورين (الاستعماري والوطني).فالمتمعن في طور الاحتلال يتبين له أن التزام القيادة السياسية بعقيدة اليعاقبة جعلها تتبع نظاما شديد المركزية؛ مركزية بالكاد تتجاوز فاعليتها أسوار المدينة أو مقر المؤسسات الرسمية الحاكمة. والمتمعن في علاقة هذا المركز الإداري بالدواخل (الأطراف) يتبين له أنها بنيت على عداء متبادل، تولدت عنه سلسلة من عمليات الإخضاع ومقاومة الإخضاع. والمحصلة أن الدواخل لم تحظَ بتنمية حقيقية كتلك التي حظيت بها بعض مراكز السلطة، بل تفاقمت مشكلات الأطراف ليس بسبب الإهمال التنموي وحسب، بل وبسبب المراقبة الصارمة التي فرضتها سلطات الاحتلال على الهجرة نحو المركز لمنع ترييف المدن. والسؤال هنا: ما الذي تغير فعليا بعد الاستقلال، وتحديداً منذ انقلاب سبتمبر 1969؟
من الصعوبة بمكان الإجابة عن هذا السؤال؛ لا بسبب غياب استطلاعات الرأي وما يترتب عليها من مناهج تحليلية وحسب، بل وأيضاً بسبب هيمنة رواية تاريخية مشوشة تبناها الوافد في مرحلة أولى، وأممها المحلي في مرحلة لاحقة. ففي حين اعتبر الوافد الاحتلال مهمة تحضيرية تمدينية، وأن "العنف" المصاحب له مجرد أضرار جانبية (Collateral Damages)، اختزل الجانب المحلي (السلطة ومثقفوها) أهدافه في تطهير البلاد من دنس الاستعمار؛ وهو تطهير استوجب، بعد احتلال الانقلابيين لبنية الدولة وإعلان الجماهيرية عام 1977، استخداما مفرطا ومنظما للعنف.
والمفارقة هنا، أن الانقلابيين لم يكتفوا باعتناق مفهوم الدولة الحديث (اليعقوبية المركزية تحديدا)، بل ودشنوا حكمهم بمشاريع مادية تكاد تمتثل بتمجيدها الهندسي لمشاريع المحتل؛ حيث مدوا الطرق وبنوا المستشفيات والمدارس. والمفارقة الثانية، أن هؤلاء الانقلابيين ما انفكوا يقللون من أهمية مشاريع دولة الاحتلال الإيطالي بحجة أنها مشاريع إمبريالية لا تخدم الإنسان الليبي. والسؤال المقابل هنا: ما نفع المدارس والمعاهد والجامعات مثلا إذا كانت وظيفة التعليم الرسمية فيها، كما كانت تماماً في زمن الاحتلال الإيطالي، تدجين الوعي ومنع انتشار الأسلحة الفكرية الحرة؟ وتبرز المفارقة الثالثة في أن الانقلابيين، وفي الوقت الذي طالبوا فيه إيطاليا منذ البداية بالاعتذار عن جرائمها زمن الاحتلال، وهو اعتذار تحقق عام 2008 في عهد حكومة سيلفيو برلسكوني، مقابل تعويضات استثمارية بلغت 200 مليون دولار سنوياً على مدى ربع قرن، فإنهم في المقابل لم يملكوا الشجاعة المعرفية أو الأخلاقية للاعتذار عن الجرائم السياسية التي اقترفوها محلياً؛ من شنق المعارضين في ساحات الجامعات (محمد مهذب اخفاف ورشيد منصور كعبار 1984) والصالات الرياضية المغلقة (شنق الصادق الشويهدي في مجمع سليمان الضراط ببنغازي 1984)، إلى اغتيال وتصفية الخصوم في العواصم الأوروبية (محمد مصطفى رمضان وإبراهيم نافع بمدينة لندن 1980)، وصولاً إلى تصفية ما يربو على 1200 سجين في مجزرة سجن أبي سليم بطرابلس (1996)، حيث اكتفت السلطة بالقفز فوق الجريمة عبر دفع "الدية" المالية لأهالي الضحايا وقتلى قضية الإيدز الشهيرة.
والسؤال الجوهري: بماذا استفادت الذاكرة التاريخية الليبية من اعتذار إيطاليا والتزامها بدفع تعويضات تنص وثيقتها الرسمية، وبحسب ما تناقلته الصحف عن برلسكوني، على أنها ستترجم في شكل مشروعات تنموية تتكفل شركات إيطالية حصريا بتنفيذها على غرار ما كان يجري زمن الاحتلال؟ وأرجو ألا يُفهم من هذا التحليل أنني بصدد التقليل من الأهمية الرمزية والقانونية لمسألة الاعتذار بين الدول؛ فالاعتذار يعني ببساطة شديدة وضع كوابح أخلاقية تمنع القوى الكبرى مستقبلا ، وأيا كانت أيديولوجيتها أو ديانتها أو عرقها، من ارتكاب فظائع تصل إلى مستوى الإبادة الجماعية بذريعة التحديث أو التحضير أو التحرير أو المقاومة.
بناء على ما تقدم يضطر الباحث لطرح المزيد من الأسئلة على غرار: إلى أي مدى حدثت قطيعة بنيوية وفعلية بين ماضي الاحتلال الإيطالي وحاضر الدولة الوطنية منذ انقلاب سبتمبر؟ وهل الاستمرار في تعرية الفاشية وهجائها وحده كفيل بتجسير الهوة الفكرية بين الماضي والحاضر؟ والأهم من ذلك كله: هل تمجيد مشاريع التحديث المادية (سواء الاستعمارية أو الاستبدادية) سيحفز الليبيين اليوم على العمل الجاد من أجل إخراج البلاد من نفق انسدادها المظلم؟ والسؤال الأخير هل فكر صاحب كتاب "المنفى الذهبي" في هذه الأسئلة أو في غيرها من الأسئلة ذات العلاقة بتحرير المعرفة من هيمنة الاستعمار؟ والسؤال الأهم كيف له أو لغيره أن يتصدى لمثل هذه المسائل والمعرفة التاريخية الدولية كلها ما تزال تعمل داخل فضاء مفاهيمي صاغه الغرب؟ ودعني أذكر في خاتمة هذا التمهيد نفسي بأن هذه المعضلة تنوء بحملها المؤسسات ومن ثم فإن النقد الموجه لكتاب "المنفى الذهبي" ليس هدفه كشف قصور الباحث بقدر ما هو دعوة له ولغيره من الدارسين إلى ضرورة الاتكاء أكثر على مناهج العلوم الاجتماعية الحديثة، وعلى نظريات نقد المعرفة.
1- والسبب في تقدير البعض أنه نظام مثير للجدل وله سلبيات عدة أبرزها:1- انتهاك الحقوق الفردية؛2-عيوب التقدير والتعويض؛3-مخاطر إساءة استخدام السلطة



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»