Atwasat

الأمن القومي الليبي خط أحمر

ناجي جمعة بركات 9 ساعات
ناجي جمعة بركات

لم يعد الخوف في ليبيا يأتي من المجهول، بل من الأشياء التي أصبحت مألوفة إلى حد الفضيحة؛ أن تستيقظ فتجد أن مفاصل الأمن، بكل ما تمثله من سيادة وهيبة وأسرار، قد اجتمعت في يد دائرة ضيقة، وكأن الوطن تقلّص حتى صار عنواناً في بطاقة شخصية.
وزارة الداخلية، وجهاز الأمن الداخلي، وجهاز المخابرات.. ليست مناصب بروتوكولية توزع لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، وليست هدايا في حفلة مصالحة بين المتخاصمين؛ إنها مؤسسات يُفترض أن تكون ملكاً لكل الليبيين، لأنها تحرس ما تبقى من الدولة، لا ما تبقى من السلطة. إنها أمن قومي وحساس لليبيا وشعبها، وليس فقط لمدينة واحدة.
ليبيا ليست فقيرة بالكفاءات حتى يقال إن الخيارات انحصرت في مدينة واحدة أو مجموعة واحدة أو أطراف محسوبين على دوائر أجنبية. الوطن الذي أنجب آلاف الضباط والخبراء والإداريين لا يمكن أن يعجز فجأة عن تقديم رجال دولة، إلا إذا كان المعيار لم يعد الكفاءة، بل المحاصصة والولاء وتقاسم النفوذ ومحاولة تقسيم البلاد.
الأمن القومي ليس رغيفاً يُقسم بين المتقاسمين، ولا غنيمة تُمنح لمن يرضى عنه هذا الفريق أو ذاك. إنه آخر جدار يحمي الدولة من الانهيار، فإذا تصدع، دخل الجميع بلا استئذان: التدخلات الخارجية، وأجهزة الاستخبارات الأجنبية، وحسابات المصالح التي لا تعرف وطناً ولا علماً، وستصبح ليبيا مرتعاً للجريمة والتهريب والفساد، وكذلك التآمر على أبناء الوطن الشرفاء.
وعندما يصبح المسؤول مديناً بمنصبه لمن عيّنه أكثر من دينه للوطن، يصبح السؤال مشروعاً: لمن ستكون الأولوية؟ لمصلحة ليبيا، أم لمصلحة من يملك قرار بقائه؟ هنا يبدأ القلق الحقيقي؛ لأن الأوطان لا تضيع دائماً بالحروب، بل قد تضيع أيضاً بالولاءات الضيقة وبالصمت الطويل. وليس غريباً على من في السلطة أن يقوموا بجلب مثل هؤلاء.
لا أحد يعترض على أبناء مدينة بعينها لأنهم أبناء تلك المدينة، فكل المدن الليبية جزء من هذا الوطن. الاعتراض يكون عندما تتحول الدولة إلى مساحة مغلقة، وعندما تُختزل مؤسساتها السيادية في دائرة ضيقة، فيغيب مبدأ تكافؤ الفرص، وتضعف الثقة في حياد المؤسسات. كذلك يجب تفهم نوايا الأطراف التي تساهم في مثل هذه الحالات، والأسوأ هي الأطراف الخارجية التي همها الوحيد هو الاستيلاء على هذه المراكز الحساسة، وزرع عملاء لهم بداخلها، بل ومن يقومون على قيادتها.
يبقى السؤال الذي لا تستطيع أي أجهزة أن تصادره: هل يقبل الليبيون أن تُدار مؤسساتهم السيادية بمنطق المحاصصة، أم يتمسكون بفكرة الدولة التي تقوم على الكفاءة والشفافية وتكافؤ الفرص؟ فالأصوات قد تُحاصر، لكن الأسئلة لا تُعتقل، والقلق على الوطن لا يُصادر. للأسف، ليبيا الآن مشتتة، والشعب قلق على مصيره اليومي وسعيه وراء متطلبات الحياة اليومية، وكذلك خوفه من انقسام الوطن، فربما يقبل لوقت ولكن ليس لسنوات أكثر.
رحم الله وطناً لم يكن ينقصه الرجال، بل كان ينقصه أن يتذكر الجميع أن الوطن أكبر من المدينة، وأكبر من العائلة، وأكبر من المحاصصة، وأكبر من كل المناصب التي تزول ويبقى أثرها في ذاكرة الشعوب. الوطن هو شعار نرفعه لا ندمره، وكل من باع وطنه للأجنبي من خلال هذه المناصب الحساسة فسوف ينفضح يوماً.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»