Atwasat

الانقطاع المعرفي في الواقع الافتراضي

عمر الكدي 4 ساعات
عمر الكدي

ينصحنا المفكر المغربي محمد عابد الجابري بالعودة إلى التراث، وتحديدا إلى نظام البرهان، وإلى ابن رشد الذي يمثل ذروته، ولكن ماذا سنستفيد من ابن رشد في عصرنا هذا؟ في حين ينصحنا المفكر المغربي عبد الله العروي بالقطيعة المعرفية مع التراث، وهذا المفهوم غريب على الثقافة العربية، فلم يحدث انقطاع معرفي في الثقافة العربية، أو أن الانقطاعات المعرفية لم تكتمل، إذ كانت السلطة تتدخل، وتوقف هذه العملية قبل اكتمال الانقطاع.

المعتزلة مثلا كانوا على وشك إحداث هذا الانقطاع، ولكن الخليفة العباسي المتوكل، ثم الواثق والمقتدر بالله، أوقفوا بقوة السلطة هذه العملية، عندما صدرت الوثيقة القادرية عام 408 هجريا، التي حددت ما يجب على المسلمين الاعتقاد به، وأوقفت الاجتهاد الذي كان لا يزال مفتوحا على مصرعيه.

وينقل لنا ابن كثير في «البداية والنهاية» ما حدث في تلك السنة، حيث قال إن القادر بالله استتاب فقهاء المعتزلة، وأجبرهم على التوقيع على تعهدات تفيد بذلك، ومن يخالف يقتل أو يصلب أو يسجن أو ينفى. ليس المعتزلة فقط، وإنما تشمل العقوبة «الرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة»، وأمر بلعنهم على المنابر، و«نفاهم عن ديارهم، وصار ذلك سنة في الإسلام»، وفقا لتعبير ابن كثير.

إنه انقلاب سياسي بكل أبعاده الأيديولوجية، فالوثيقة ذكرت المعتزلة بالاسم، فهم الطائفة التي يمكن للسلطة الوصول إليها، بينما بقية الطوائف تعمل بشكل سري. أما المعتزلة فقد كانوا مكشوفين، بل ومقربين للسلطة في زمن المأمون والمعتصم.

والسبب في استهداف المعتزلة هو محاربتهم الجور والاستبداد، وقولهم إن الإنسان مسؤول عن أفعاله. أما مقولتهم في المنزلة بين المنزلتين، فتخرج الحكام الفسقة من فئة المؤمنين إلى خانة الفاسقين، وبالتالي فالدعوة للثورة على أمثال هؤلاء الحكام مطلوبة شرعا وفقا للأصل الخامس للمعتزلة، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

لهذا اختار المعتزلة إماما لهم وبايعوه سرا، يكون على مستوى عال من العلم والتقوى والشجاعة. لذا شارك المعتزلة في العديد من الثورات، بينها ثورة زيد بن علي بن الحسين، وثورة محمد النفس الزكية. وفي عام 409، وفقا لابن كثير، صدر قرار عن دار الخلافة ينص على أن «من قال القرآن مخلوق، فهو كافر حلال الدم».

ما حدث للمعتزلة في المشرق حدث لابن رشد في الأندلس، حيث كان مقربا من الخليفة الموحدي الثالث أبي يعقوب المنصور، الذي عينه طبيبه الخاص وقاضي قضاة قرطبة. كما شجعه على دراسة الفلسفة منذ أن قدمه للخليفة ابن الطفيل.

لكن بعد وفاة أبي يعقوب، تولى الخلافة ابنه أبو يوسف المنصور، الذي كان له رأي سلبي في الفلسفة، بالإضافة إلى دسائس الحساد والحاقدين، فأمر بنفي ابن رشد إلى قرية صغيرة (اليسانة)، معظم سكانها من اليهود، وفرض عليه الإقامة الجبرية، وحرق كتبه. كما أصدر أمرا بمنع الاشتغال بالفلسفة والعلوم جميعا ما عدا الطب والفلك والحساب.

كيف تحدث قطيعة معرفية في مثل هذه الظروف وهذا المفهوم لم يكن موجودا زمن المعتزلة وابن رشد، فهو مفهوم حديث، وضعه المفكر الفرنسي غاستون باشلار، الذي يصفه بأنه «طفرة في تاريخ العلم» لا علاقة له بالنظريات التي سبقته، فمثلا المصباح الكهربائي يمثل انقطاعا معرفيا عن نظام الإضاءة الذي سبقه، فللمرة الأولى لا يحدث إشعال واحتراق لتحقيق الإضاءة، ثم انتقل المفهوم من العلوم التطبيقية إلى العلوم الإنسانية عندما درست تطور الأفكار، خاصة مع الفرنسيين ميشيل فوكو ولويس التوسير، والأمريكي توماس كوهن في كتابه «بنية الثورات العلمية»، الذي برهن على أن التطور العلمي ليس دائما تراكميا، وإنما عن طريق القطع مع الأنساق والمفاهيم السابقة.

محمد أركون أيضا يدعونا إلى التواصل مع التراث، للربط بين حاضرنا ولحظة الإبداع الكبرى في تراثنا، لتجاوز مرحلة السكون والتكرار التي غلبت على القرون الأخيرة من تاريخنا، منذ محنة المعتزلة وابن رشد، لإحداث قطيعة تاريخية مع تراثنا السلفي غير المبدع.

للأسف لا تزال السلطة الحاكمة تتدخل لمنع هذه المراجعة اليوم في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين. ففي عام 2010، توفي على بُعد كيلو مترات من بيتي في هولندا المفكر المصري نصر حامد أبو زيد، بعد أن لجأ إلى هولندا عقب حكم محكمة مصرية بأنه مرتد، وبالتالي وجب الفصل بينه وبين زوجته المسلمة، الدكتورة ابتهال يونس، وهو حكم لم يفكر فيه المقتدر بالله، ولا أبو يوسف يعقوب المنصور، فتطليق نصر حامد أبوزيد من زوجته يجعله لقمة سائغة لأي متطرف لم يقرأ حرفا مما كتب، مثله مثل الذي حاول اغتيال نجيب محفوظ، ولم يقرأ حرفا واحدا مما كتبه محفوظ. وتدخل نظام مبارك ليس لإلغاء هذا الحكم الجائر، وإنما لتوفير حرس شخصي لأبوزيد، مما أجبره على طلب اللجوء لهولندا، فقد يكون قاتله من بين هؤلاء الحرس.

وجريمة أبوزيد هي أنه درس تراثنا بطريقة علمية، متسلحا بمعرفة واسعة لهذا التراث، فقد حفظ القرآن وهو طفل لم يبلغ الثانية عشرة، وألح على أبيه أن يسجله ضمن جماعة الإخوان المسلمين في مدينته بطنطا، وعندما حاولت الجماعة اغتيال عبد الناصر عام 1954 شُنت عليهم حملة، وألقي القبض على الطفل نصر، لكن أطلق سراحه بعد أن وجدوه طفلا.

وبعد وفاة والده، اضطر للعمل مبكرا في هيئة البريد كفني لاسلكي، وواصل دراسته، ليعود أستاذا في قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة، حيث اصطدم بالسلفيين من زملائه عندما تقدم بدراساته للترقية إلى مرتبة أستاذ، الذين رفضوا مؤلفاته، لتنتهي القضية في المحكمة بذلك الحكم المخزي، فتحول واحد من ألمع مفكرينا، الذي نقب في التراث وكشف زيف الكثير من أسسه، ليجردوا ضده الوثيقة القادرية ويحلوا دمه.

فكيف في مثل هذه الظروف نصل إلى الانقطاع المعرفي؟ الذي لم يحدث، ولا أظنه سيحدث في المستقبل المنظور، وبالتالي فمشاريعنا في التطور والانتقال من خانة التخلف إلى التقدم مؤجلة إلا إذا هاجرت عقولنا، وواصلت دراسة تراثها من المنفى، لتمنع السلطات الحاكمة طبع وتوزيع الكتب، وبالتالي قد تواصل هذه العقول إنتاجها والتواصل مع القراء من خلال الواقع الافتراضي، لنكون أول أمة تحقق الانقطاع المعرفي ليس في الواقع الموضوعي، ولكن في الواقع الافتراضي.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»