Atwasat

الليبرالية الليبية

امحمد شعيب 1 يوم
امحمد شعيب

شهدت الدول العربية منذ حصولها على الاستقلال سلسلة من التطورات والتحولات السياسية الكبرى، صُنِّفت بأنها حركات وأنظمة تحرر قومي، ووصفت بعضها باليسارية أو الإسلامية، في تلك المرحلة غاب فيها الحديث عن أهمية الفلسفة والفكر الليبرالي.

اعتبره البعض فكرا يخدم مصالح الغرب ومصالح الإمبريالية، ويكرس الاستغلال، كما وصفه آخرون بأنه يهدد هوية الوطن وثقافة المجتمع، وسط هذه الأجواء وضجيجها لم نسأل عن حقيقة الليبرالية ودورها في تطور الفكر الفلسفي والسياسي في العالم، إلى أن جاءت التطورات الأخيرة، خصوصا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وفشل الأنظمة التي رفعت شعار التحرر الوطني، وكذلك تعثر وعجز الأنظمة التي تتبنى الخطاب الديني، كل هذا دفع الكثير إلى مراجعة ما تم وإعادة النظر في أهمية الفكر الليبرالي وضرورته في بناء الدولة الحديثة، خصوصا بعد تطوره واهتمامه بمسألة العدالة الاجتماعية، وتراجعه عن شعاره التاريخي المعروف «دعه يعمل دعه يمر».

وهذه إحدى خصائص الفكر الليبرالي، وهي قدرته على التجاوب مع تحديات العصر، ومرونته في اتخاذ أشكال وصيغ عدة لارتباطه أساسا بمفهوم الحرية، فالحرية تتعدد بتعدد مصادر الاستبداد، لذلك فهي تدعو إلى وجود واحترام الحقوق الطبيعية للإنسان ووضع وثيقة تنظم علاقة المجتمع بالسلطة، والفصل بين السلطات لكي لا تتغول إحداها، كما نادت بحقوق الإنسان وحماية كرامته وحقه في التجمع وحقه في التعبير والاعتراف بفردانيته واستقلاله عن العلاقة الإجبارية التي يفرضها الانتماء للقبيلة أو غيرها من الانتماءات الاجتماعية الضيقة.

ونشرت فكرة التسامح عبر احترام التنوع الديني واللغوي والعرقي بين البشر، كل هذه القيم والمفاهيم تم إدراجها في الدستور الفرنسي والأميركي، غير أنه من المهم التذكير بأن رحلة الفكر الليبرالي بدأت منذ القرن السابع عشر مسبوقة بحركة تنويرية قوامها إعمال العقل والاعتراف بالعلم كطريق وحيد للتقدم.

لم يدرك الفكر السياسي في منطقتنا طيلة العقود السابقة أهمية هذه الأفكار ودورها في صناعة الحضارة الحديثة، وجرى النظر لها برؤية أيديولوجية مغلقة، غابت هذه الأهمية عن الفكر القومي واليساري وكذلك الإسلامي، رغم محاولات رجال النهضة مع تنوعهم الفكري والثقافي لنشر هذه الأفكار، لقد برهنت التجارب والتطورات في العالم أنه لا يمكن إنجاز أية تنمية أو تحرر وتقدم إلا عبر إعداد الأرضية الأولى لهذه الأماني والأحلام والمشاريع، أي عبر نشر الثقافة والقيم الليبرالية الأصيلة وتغيير عقلية الإنسان المقهور.

إذ كيف يمكن للإنسان المقهور أن يحرر وطنه أو ينجز تقدما، وهي مهمة طويلة وقاسية ولكنها الخيار الوحيد، بعد كل ما تقدم يكون من المهم تحويل صرخات المواطنين في الميادين والشوارع ومطالباتهم إلى بنية مفاهيمية تلتقي وتتوافق مع الفكر الإنساني وسياقاته الفلسفية، يترتب على ذلك بالضرورة وصف هذه المطالبات والصرخات بأنها ذات طبيعة وأفق ليبرالي، هنا لا يتم إسقاط نمط فكري معين تعسفا، ولكننا نلجأ إلى تبني تحليلا موضوعيا لمضامين تلك الاحتجاجات والمطالب تأسيسا على أن المواطن ينطلق وينطق بمعاناته وأحلامه وليس من كتب الفلسفة.

هذا يقودنا للقول باطمئنان إنها مطالب ليبرالية، لقد طالبت الميادين وما زالت بحقوق الإنسان وبوثيقة تنظم علاقة السلطة بالمجتمع والمواطن، الحق في التعبير والحق في التجمع، الحق في تكوين الأحزاب والنقابات، الحق في حياة كريمة وعادلة، الحق في تنمية متوازنة، حق المرأة في المشاركة العامة ورغبة المواطن في التعبير عن كيانه في مواجهة السلطات والأطر الاجتماعية الضيقة، كل هذه القيم يمكن رصدها بسهولة في المناخات الأخيرة في بلادنا.

لذلك فإن ما حدث سنة 2011 وما بعدها لا يمكن اعتباره حدثا وانتهى، ولكنه في الحقيقة تحول إلى صيرورة في حراك الزمن الليبي، تنضجه التجربة ويصقله التراكم، ختاما هذه محاولة لفهم ما يجري، أعلم أنها تفيض بالأسئلة وهذا يكفيها، كما أنها قد تساهم في إعادة النظر في ترتيب أولوياتنا الوطنية وتبعدنا عن الكثير من الأوهام الكبيرة وأحلام الديوك المتخمة كما قال شاعرنا الشلطامي.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»