Atwasat

كونداليزا رايس بريئة.. كيف صنعت النخبة العربية خرافة «الفوضى الخلاقة»؟

مصطفي الفيتوري 4 ساعات
مصطفي الفيتوري

هل قرأت يا عزيزي القارئ كتاب «الفوضى الخلاقة» وأمعنت فيه النظر؟ أم تراك قرأت نظيره المعنون «سياسة الفوضى الخلاقة والاستراتيجية الأمريكية للهيمنة»؟ أو ربما أعجبك عنوان «الفوضى الخلاقة» مجرداً من أي إضافات، لعله أقصر وأكثر إغراءً؟

ولا شك أن عناوين كثيرة صادفتْك تحتوي جملة «الفوضى الخلاقة»، سواء في نشرات الأخبار أو على صفحات الصحف أو أغلفة المجلات. ولعل أحد معارفك أخبرك يوماً، بكثير من الجدية والزهو المعرفي، أنه يفكّر في أن تكون رسالته للدكتوراه عن «الفوضى الخلاقة» كمبدأ راسخ في السياسة الأمريكية تجاه منطقتنا المسماة «الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» إبان فترة بوش الابن.

ولربما طرأ جدال حاد في أحد المقاهي، وشاركتَ فيه أنت نفسك، يدور حول كيف برعت «الشيطانة» كونداليزا رايس، مستشارة الأمن القومي لبوش «الابن» وزيرة خارجيته لاحقاً، في صياغة تلك الفكرة الجهنمية، وكيف أن تلك الفكرة التي صاغتها هذه «الشيطانة» هي التي أنتجت، بحلول العام 2011 وسنواته التالية، «الربيع العربي» ومخلفاته وتراكماته ونتائجه الحالية.. ألم يحدث هذا؟

أراهنك أن شيئاً مما سلف قد حدث لك أو لأحد معارفك. لكنني أراهنك أيضاً على أنك لن تجد كتاباً واحداً بهذا الاسم صاغه مسؤول أمريكي، ولن تعثر عليه في أرشيف الخارجية الأمريكية كـ«عقيدة رسمية» مكتوبة.

اسمح لي أيها القارئ النبيه أن أصدمك بحقيقة بسيطة، وهي: أن وزيرة الخارجية السابقة، كونداليزا رايس، التي بُحّت الأصوات العربية وهي تنسب إليها المصطلح، لم تنطق به يوماً، خاصة في حديثها الشهير لجريدة «واشنطن بوست» عام 2005، الذي غالباً ما يُشار إليه كمرجعية في سيل تلك المقالات والكتب والبحوث. إنها لم تستخدم أيّاً من تلك العبارات أو الكلمات مطلقاً! لكن الوعي العربي، الشغوف دائماً بصناعة الأصنام الفكرية، التقط الوهم، واخترع مصطلح «الفوضى الخلاقة»، ثم ألف حوله كتباً ونظريات، وجلس يعبد هذا الصنم السياسي الذي صنعه بيده!

لعله من نافلة القول إن الإنسان يلجأ إلى الغيبيات حين يعجز عن فهم أو تفسير حادثة أو ظاهرة معينة، والتفكير العربي عموماً كثيراً ما يقع في غرام الغيبيات والماورائيات، وهذا في بعضه ما يفسر الأمر هنا.

إن احتلال العراق من قِبل أمريكا وبريطانيا مثلاً في العام 2003 كان حدثاً فاق التصور لدى الكثير من العرب، بمن فيهم الزمرة المسماة «النخبة العربية»، وربما أساطين الفكر. وفي محاولتهم لتفسيره في سياق محدد، وجدوا ضالتهم في الجملة القائلة «الفوضى الخلاقة»، وأحياناً قليلة جملة «الفوضى المدمرة».

ففي الحمى الفكرية التي اجتاحتنا، كتّاباً وباحثين وهواة كلام، سككنا تلك العبارة الضالة، وكانت وعاءً مناسباً لنقل كلام كثير وتحليلات أكثر وكتب بلا عدد، إلا أنها للأسف كانت قائمة على وهم، ومع هذا أثمرت لدى كل من كان في عجلة من أمره ليشارك في جوقة الكذب دون قصد، فقط لأنه أراد أن يُشار إليه ككاتب أو مفكر، خاصة حملة الشهادات العليا، وبعض الساسة من المحسوبين على اليسار القومي العربي.

وعليّ الإسراع بالإشارة إلى أن مصطلح «الفوضى الخلاقة» كان موجوداً قبل رايس وبوش، وقبل احتلال العراق بعقود. وفي محاولة بعض الكتاب و«المفكرين» العرب إضفاء شرعية على فكرتهم المزيفة، أشار بعضهم إلى أن «نظرية الفوضى الخلاقة» صاغها الفيلسوف اليميني الأمريكي ميكيل نوفاك (Michael Novak)، وهذا غير صحيح؛ إنما تُنسب الفكرة أحياناً، وبصيغة مختلفة وهي «التدمير الخلاق»، وليس الفوضى الخلاقة، إلى المفكر والاقتصادي النمساوي جوزيف شومبيتر (Joseph Schumpeter)، الذي أوردها في سياق اقتصادي، ومفادها أن الرأسمالية تدمر القديم، وتُنشئ محله الجديد، وهذا سر تطورها في نظره.

ولم تكن أيّ من الفكرتين يوماً مبدأً سياسياً مطبقاً أمريكياً، لا في عهد بوش «الابن»، ولا عهد والده بوش «الأب»، ولا حتى عهد ريجان الذي عمل معه نوفاك، وكان يومها من نجوم المحافظين الجدد، واشتهر في مركز أبحاث «معهد المشاريع الأمريكي» المعروف كمركز لليمين المحافظ المرتبط باليمين المسيحي الأمريكي، وكان نوفاك أحد نجومه المتلألئة يومها.

لنأتِ الآن إلى تعبير آخر أكثر عصرية، ألا وهو «الديانة الإبراهيمية الجديدة»، أو كما يأتي أحياناً بصيغة «الإسلام الجديد»، ولعلك عزيزي القارئ قد قرأت أحداً من مئات المقالات وعشرات الكتب المدبّجة في هذا الموضوع. هذه الفكرة الوهمية سادت وبرزت في الفترة الأخيرة، وتحديداً إثر توقيع ما يُعرف بـ«اتفاقات أبراهام»، لتطبيع العلاقات بين الصهاينة من جهة وأربع دول عربية من جهة أخرى، لتبرير التطبيع مع دولة الإبادة الجماعية.

وأكثر ما أعطى لهذا الوهم زخماً إعلامياً وأكاديمياً هو إعلان إحدى الدول المطبّعة إنشاء مجمع «بيت العائلة الإبراهيمية»، الذي يضم مسجداً وكنيسة ومعبداً يهودياً داخل سياج واحد، ليصبح المكان مزاراً، وبرمزية مفادها أن أصل الأديان السماوية الثلاثة واحد، وأنها كلها تدعو إلى السلام والتعايش بين أتباعها وإن اختلفوا.

وللمجمع موقع إلكتروني (https://www.abrahamicfamilyhouse.ae) يستقبل الزوار على مدى الأسبوع، وتنظم فيه الندوات والمؤتمرات، ومن هنا انطلقت الفكرة المركزية في الوجدان الجمعي العربي بأن هناك مسعى غربياً (أمريكياً غالباً) يهدف إلى فرض دين أكذوبة جديد على العرب والمسلمين، لمحو عقيدتهم. والحقيقة هي غير ذلك تماما مع عدم إنكار أن هناك حملات تقودها منظمات أهلية ذات طابع ديني أو قومي في أمريكا وأوروبا تدعو إلى التضييق على الإسلام والمسلمين في تلك الأمصار، بل إن بعضها يدعو صراحة إلى محاربة المسلمين في ديارهم أيضا. لكن ما أنفيه، جملة وتفصيلا، وجود مؤامرة منظمة ومنسقة، وتنخرط فيها دول بعينها، تهدف إلى تحويل المسلمين، والعرب خصوصا، عن دينهم.

إن تفكيكي مصطلحي «الفوضى الخلاقة» و«الديانة الإبراهيمية» يكشف علة مزمنة في بنية الفكر العربي المعاصر، وتحديداً في جناحيه: اليساري القومي والإسلامي؛ إذ يملك هذان التياران تاريخاً طويلاً في صناعة الأوهام والأصنام المعرفية، واستعارتها كأدوات تعبوية ودعائية مؤقتة، لخدمة موقف سياسي أو تبرير مرحلة انكسار بعينها، والانكسارات كثيرة والحمد لله.

غير أن الأزمة الحقيقية تبدأ عندما يدلف إلى هذه الساحة أدعياء الفكر وهواة الكتابة من المتزلفين إلى السلطة، فيتلقفون تلك الشعارات التعبوية ويحولونها -عبر التكرار والتدبيج- إلى ما يشبه الحقائق القطعية، متوسعين في نشرها وترسيخها داخل الوجدان الجمعي دون أدنى أسس علمية، ولا مبررات موثقة أو مثبتة في متون ما يكتبون. وبذلك، تظل النخبة تدور في حلقة مفرغة من عبادة أصنام صنعتها بجهلها، عاجزة عن مواجهة الواقع وحقائقه العارية، بينما يعيش الشارع في أوهامه الخاصة به.

ففي الشارع، حيث البقاء للأتفه، خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بالعربية، يبدو الموقف أسوأ بكثير، حيث تتحول أتفه الشائعات مثلاً إلى حقيقة عند البعض، خاصة عندما يتولاها من يُسمون «مؤثرين أو قادة رأي»، والأمثلة هنا أكثر من أن تُعد، إذ يوجد ميلٌ نفسي لدينا نحن العرب إلى قبول كل ما فيه تفاهة وشماتة و«فش خلق»، مع أننا أحياناً نعرف أنه كذب، ولكننا نصر عليه، لما يحققه من مردود نفسي بالرضا عبر جمع «اللايكات» وإعادة النشر. لهذا تتقلص المساحة أمام المحتوى الجاد، لتتسع مساحة غير الجاد والتافه.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»