Atwasat

الجنرال الذي هزم الجميع

عطية صالح الأوجلي 1 يوم
عطية صالح الأوجلي

«لم يهزمني العدو.. لكنها الجغرافيا».. ربما لم ينطق هانيبال بهذه العبارة وهو يكابد عبور جبال الألب، ولم يكتبها نابليون وهو ينسحب من موسكو وسط الثلوج، ولم يسجلها رومل وهو يراقب خطوط إمداده الطويلة عبر صحراء شمال أفريقيا. لكن التاريخ يوحي بأن شيئاً قريباً منها قد دار في خواطرهم جميعاً.

لقد واجه كل واحد منهم خصماً خفياً لا يحمل سلاحاً ولا يرفع راية؛ خصماً لا تمكن هزيمته في معركة فاصلة أو إخضاعه بمعاهدة سلام. إنه الجغرافيا، المرآة القاسية التي ينعكس عليها غرور القوة، والتي تعيد الطغاة والفاتحين دائماً إلى حجمهم البشري الضئيل. فجبال الألب استنزفت هانيبال قبل أن يبلغ روما، والشتاء الروسي والمسافات الشاسعة التهما جيش نابليون، بينما حوّلت الصحراء والبحر المتوسط انتصارات رومل التكتيكية إلى مكاسب عاجزة عن الحسم الاستراتيجي.

قمبيز.. الصحراء التي تبتلع الجيوش
قبل أن يحلم هتلر بغزو الشرق، وقبل أن يعبر هانيبال جبال الألب، حاول الملك الفارسي قمبيز، ابن قورش الكبير، أن يمد نفوذه إلى ما وراء النيل. أراد تدمير معبد الوحي في واحة سيوة بعد أن رفض كهنتها منحه الشرعية، فأرسل جيشاً، قوامه خمسون ألف مقاتل، عابراً الصحراء الغربية. لكنهم لم يصلوا إلى وجهتهم قط.

ففي منتصف الطريق، هبت عليهم رياح جنوبية مميتة، محملة بكثبان رملية هائلة، فطمرتهم جميعاً. ووفقاً لرواية «هيرودوت»، لم ينجُ جندي واحد ليحكي الحكاية، ولم يعثر على عظم أو سلاح يُذكر. الصحراء لم تمنحهم معركة شريفة، بل منحتهم نسياناً أبدياً.

هانيبال.. جبال الألب كفخ حديدي
لم تكن جبال الألب مجرد عائق طبيعي، بل كانت معركة خاضها هانيبال، وخسرها قبل أن يرى روما. عندما عبرها بجيشه وفيلته الشهيرة، لم يكن الثلج والصخور فقط ما قتله؛ بل الزمن الذي استنزفه. خسر نصف جيشه (نحو 20 ألف جندي) ومعظم أفياله في ذلك العبور الجبلي. إن العبقري التكتيكي الذي حطم الجيوش الرومانية في «كاناي» لم يدرك أن الجغرافيا كانت تمنح روما سلاحاً لا يقهر: الوقت. فبينما كان هانيبال يذوب في إيطاليا، كانت الجغرافيا تحمي روما عبر البحار، وتسمح لها بإعادة بناء جيوشها، بينما كان هو معزولاً عن خطوط إمداده في إسبانيا. الجغرافيا لم تهزمه في معركة، لكنها خنقته بالبطء.

نابليون.. الشتاء الروسي كمعادلة رياضية
أما نابليون فلم يهزمه القيصر ألكسندر، بل هزمته المسافة التي حولت «الجيش الكبير»، المؤلف من 600 ألف جندي، إلى جثة متجمدة. كان نابليون يعرف خطر الشتاء، لكنه أصيب بـ«العمى الاستراتيجي»، وتجاهل الجغرافيا السياسية: المسافات ضاعفت عبء الإمدادات، والريف لم يقدم المؤن، وعندما دخل موسكو، وجد مدينة محترقة وخاوية، وأدرك أن الجغرافيا لعبت لعبتها القاتلة: كلما تقدم شرقاً أصبحت الخطوط الخلفية أطول، والرياح الروسية أكثر قسوة. لم ينتقم الشتاء وحده، بل انتقم إقليم «السهوب» نفسه، الذي يبتلع الجيوش كالرمل.

رومل.. لعنة الصحراء والبحر معاً
رومل، الذي اشتهر بسرعته، وقع في فخ مزدوج. فالصحراء ابتلعت بمساحاتها الشاسعة وتضاريسها المنهكة أرتال مدرعاته، وتحول كل غبار تثيره الدبابات إلى تآكل تدريجي في جسد الآلة العسكرية الألمانية. والبحر المتوسط حوّل إمداداته إلى مقبرة بفعل تفوق البحرية البريطانية. كان كل كيلومتر يتقدمه شرقاً يباعد بينه وبين براميل الوقود، حتى توقفت دباباته عند العلمين.

هتلر.. جنون الجبهة الشرقية
كرر هتلر خطأ نابليون، حيث دفع بجيشه إلى نفس الفخ لكن بصيغة أكثر جنوناً. لم يهزمه الشتاء وحده، بل هزمته وحشية الجغرافيا الممتدة: غابات روسيا الشاسعة، والأنهار المتجمدة، والوحل الذي يغرق الدبابات في الخريف.
لكن العامل الأعمق هو أن هتلر قاتل الخريطة نفسها بخططه المستحيلة: أراد الاستيلاء على حقول النفط في القوقاز وستالينغراد في الوقت نفسه، فانقسم جيشه إلى نصفين عاجزين. انقلبت الجغرافيا على جنازير دباباته، فتحولت مدن روسيا إلى «حجر عثرة» لا يمكن تفتيته، فأصبح كل شارع وكل منزل هو التضاريس الجديدة التي تقاتله.

الخلاصة.. جغرافية الإرادة
حتى في عصر التكنولوجيا، ما زالت الجغرافيا تفرض شروطها الصارمة كقَدَرٍ لا يلين. ففي مضيق هرمز اليوم، تقف إيران خلف درع جغرافية من مياه ضيقة وجبال ساحلية شاهقة، تحوّل تفوق الأساطيل الحديثة إلى مأزق تكتيكي، وتذكّر العالم بأن الجغرافيا لم تُحل إلى التقاعد بعد.

في النهاية، يثبت التاريخ أن العبقرية العسكرية يمكنها أن تهزم أي جيش، لكنها لا تستطيع هزيمة «الخريطة». الجغرافيا هي الإطار الثابت الذي تتعطل أمامه عبقرية الإنسان، هي «جنرال الفصول» و«أدميرال المسافات»، والمقبرة المفتوحة التي تُدفن فيها أوهام السلطة المطلقة، لتذكرنا دائماً بأن المنتصر الوحيد الذي لا يوقع معاهدة استسلام.. هو الأرض.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»