مع نهاية الأسبوع الأول من شهر يونيو الجاري، أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا توصيات الحوار المُهيكل، بعد جلسات ونقاشات دامت أكثر من خمسة أشهر ضمن أربعة مسارات: الحوكمة، والأمن، والاقتصاد، والمصالحة.
وعند الاطلاع على مخرجات لجنة الحوكمة، وكيفية معالجتها للإشكاليات المرتبطة بخارطة الطريق، نستنتج من هذه التوصيات أن مسار الحوكمة لم يضع تقييماً شاملاً لأسباب فشل الاتفاقات السياسية السابقة، وبالتالي فإن مخرجات اللجنة لم تأتِ بجديد فيما يتعلق بالمرحلة التمهيدية واستحقاقاتها ومددها الزمنية، وما طرحته من توصيات يُعد تكراراً للتجارب السابقة.
أوصت لجنة الحوكمة بمرحلة تمهيدية جديدة لا تتجاوز مدتها 24 شهراً من أجل إنجاز الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وتشكيل حكومة جديدة، الهدف منها حسب ما ذُكر في مقدمة توصيات اللجنة: «حكومة قادرة على إدارة الانتخابات وضمان نزاهتها».
المتعارف عليه وفق القوانين المعمول بها أن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات هي الجهة المُخولة بالإعداد للانتخابات والإشراف عليها وإعلان نتائجها كجهة محايدة تضمن نزاهة الانتخابات، وهذا ما نص عليه القانون رقم 8 لسنة 2013 بشأن إنشاء المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
في العادة تتشكل الحكومات في كافة دول العالم من القوى السياسية المتنافسة، وتمثل الحكومة أحد أقطاب السلطة الحاكمة، وبالتالي فهي ليست جهة محايدة أو مستقلة حتى تدير الانتخابات، وعلى العكس من ذلك فإن تدخل الحكومة في الانتخابات يفقدها نزاهتها، ويقتصر دور الحكومة على تقديم الدعم المالي للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتهيئة الظروف الأمنية المناسبة لإنجاح الانتخابات، إذا ما افترضنا أن المؤسسات الأمنية والعسكرية موحدة.
تدفع مخرجات لجنة الحوكمة باتجاه مرحلة تمهيدية جديدة، تعقبها مرحلة انتقالية، تحت مبرر تهيئة البلاد للانتخابات. هذه الفرضية كانت مقبولة قبل عشر سنوات عند اعتماد اتفاق الصخيرات سنة 2015، مع الأوضاع الأمنية الهشة واشتعال الصراع المسلح في مناطق متفرقة من البلاد.
كذلك فإن الذهاب لمرحلة تمهيدية ثانية ضمن خارطة طريق اتفاق تونس - جنيف سنة 2021 كان واقعياً من أجل معالجة أضرار الحرب وتداعياتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
ومن خلال فهمنا للأحداث والظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي شكلت تلك المرحلة، يمكن القول إن ما حدث من تفاهمات في المراحل السابقة، وإن لم يكن مثالياً، فإنه كان أفضل الممكن.
ومع فشل هذه الخيارات خلال السنوات العشر الماضية في معالجة الأزمة السياسية، فإن إعادة طرحها من جديد يشكل قصوراً في تشخيص الأزمة السياسية، ويؤكد بأن ما يُطرح من خيارات يدفع باتجاه إدارة الأزمة بعيداً عن حلها.
وضعت تفاهمات الصخيرات وجنيف علاجاً لأحد أعراض الأزمة السياسية، وهو انقسام السلطة التنفيذية، حيث تم تكليف حكومة الوفاق الوطني، إلا أن الاتفاق لم ينجح في توحيد السلطة التنفيذية، واستمر الانقسام التشريعي، ولم تُنجز الانتخابات.
وبالمقابل تمكن اتفاق جنيف من توحيد السلطة التنفيذية بعد منح البرلمان الثقة لحكومة الوحدة الوطنية، وما هي إلا أشهر قليلة حتى عاد شبح الانقسام من جديد.
والآن يُطرح السيناريو نفسه؛ حكومة جديدة موحدة من أجل الوصول إلى انتخابات، ولا وجود لأي ضمانات لعدم انقسام السلطة التنفيذية في ظل استمرار التشظي التشريعي والمؤسسي.
ومن خلال تشخيص الحالة السياسية، فإن السبب الحقيقي للأزمة هو انقسام السلطة التشريعية، وما نتج عن ذلك من انقسام للسلطة التنفيذية والمؤسسات المدنية والعسكرية والسيادية.
وبالتالي فإن إنتاج أي سلطة تنفيذية جديدة مع استمرار الانقسام التشريعي والاصطفاف السياسي هو دوران في حلقة مُفرغة، يعيد تشكيل خارطة الأطراف المتنفذة وينتج أصحاب مصلحة جدد.
إن الطريق إلى إنهاء المراحل الانتقالية يكون من خلال تجديد الشرعية عبر انتخاب سلطة تشريعية جديدة، تنهي حالة التشرذم المؤسساتي والانقسام السياسي.
إن الإصرار على إجراء الانتخابات الرئاسية في هذه المرحلة يعبر عن حالة من الترف السياسي، هدفها المحافظة على الوضع القائم وتعطيل المسار الديمقراطي، مع التأكيد على أن كافة الأطراف الرئيسية ترفض المعادلة الصفرية.
ختاماً: إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الأطراف الفاعلة، فإن معالجة الأزمة السياسية تقتضي الذهاب مباشرة إلى انتخاب مجلس تشريعي جديد، يوحد كافة المؤسسات السيادية والعسكرية، وينتج حكومة منتخبة، وتنتهي كافة الأجسام السياسية الحالية، وتكون من أهم أولويات المجلس المنتخب إقرار دستور دائم للبلاد، ومن ثم نذهب إلى انتخابات رئاسية تحت مظلة دستور دائم وحكومة موحدة ومجلس تشريعي يمتلك الشرعية والمشروعية.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات