بعد «رولان بارت» يأتي «جان بودريار» ليعمق مفهوم الصورة وتأثيرها فينا وفيما حولنا، كيف تختزل الصورة الواقعة واللحظة، وكيف تتكثف فيها التواريخ والتحولات الاجتماعية، هي ليست تجريداً خالصاً للواقع بل اختزالاً له، اختزال يحصر رؤيتنا للواقع وفهمنا له داخل إطارها ومن زوايا التقاطها.
فتح رولان بارت الصورة على بوابات التأويل، وجعل تكويناتها وزوايا التقاطها دوالاً على ما هو أعمق من سطحها ولما يختبئ تحت ذلك السطح من تواريخ ومعانٍ اجتماعية واقتصادية وسياسية، فخلف صورة زجاجة «الكوكاكولا» ثمة غابات وزراعة وفلاحين وعمال وسفن للنقل، وثمة تجار ومرابين وجيوش وبنادق، والأهم ثمة شعوب تكدح وتنزف من عرقها ودمها من أجل «الكولا» وثمة شركات تمتص عرق ودم أولئك البؤساء لتحقق الأرباح، تستنزف الأرض والغابة، تهلك الزرع والضرع من أجل أن تربح وتكدس الأموال، تهيمن على تلك الشعوب عبر وكلائها المحليين مقابل عمولات صغيرة وتافهة، لتكون «الكوكاكولا» دالاً بليغاً على الاستغلال والاستعمار الجديد بالنسبة لتلك الشعوب، ولتكون وفي نفس اللحظة دالاً على المتعة والرفاهية لزبائن تلك «الشركات».
«رولان بارت» فتح أبواب تأويل الصورة على مصراعيها، ليس هذا فحسب بل فتح كل تأويل لها على تأويلات كثيرة لكل تأويل منها، فتأويل صورة تلك الزجاجة يوضح لنا موقع المؤول منها، وضعه الاقتصادي والاجتماعي وموقفه السياسي والأيديولوجي من منظومة إنتاجها واستهلاكها، ومن دولة إنتاج خامها ودولة تصنيع ذلك الخام وتسويقه.
«جان بودريار» يذهب أبعد متتبعاً لمسار الصورة وأفعالها في الإنسان الحديث، مخترعاً مبدأ «المحاكاة» حيث تعيد الصورة إنتاج الواقع، واقع يحاكي الواقع الحقيقي، تصنعه من عناصر ذاك الواقع ليكون شكلاً آخر من الواقع ليس هو وإن صُنع منه، واقع تم تزيينه أو تشويهه، ليصير جذاباً ومغرياً أو ليصير بشعاً ومنفراً، كل ذلك يتم كنتيجة لموقف وعاطفة المصور تجاه واقعة الصورة وعناصرها، مبدأ المحاكاة رسخ قدرة الصورة ليس على نقل الواقع فقط بل على خلق «واقعية فائقة» لتكون بديلاً للواقع الحقيقي الباهت.
هذه الصورة بواقعيتها الفائقة يكمل «جان بودريار» في مؤلفه عن المجتمع الاستهلاكي تلعب الدور الأهم في تحويل الإنسان من كائن الحداثة المنتج والملتزم بالمستقبل والبناء وحق الأجيال القادمة إلى كائن مستهلك وعدمي يعيش لحظته قلقاً خائفاً من المستقبل، ولا ينشغل إلا بمصيره الفردي الآني ولحظته الراهنة، تقوده الصورة إلى واقعها الفائق، وتتحول الصورة إلى الواقع الحقيقي البديل للواقع الباهت.
الصورة وعبر الدعاية للسلع، تعيد تشكيل هوية الإنسان، وترسم له مصيراً جديداً هو الاستهلاك وتحدد معنى وجوده بالاستهلاك «أنا أستهلك إذن أنا موجود»، فمعنى الوجود وتحقيق السعادة يتحدد بمطابقة حياتك لصور الدعاية، ومكانتك الاجتماعية تكونها بتطابق السلع التي تستهلكها مع صور ذلك «الواقع الفائق» الذي ترسمه صور الدعاية.
إن الوطن والبيت الواقعيين يطويهم النسيان لصالح هيمنة وطن وبيت الصورة، أنت مسير بسحر الصورة ومحكوم بما تمليه عليك، أنت تأكل وترقص وتغني وتحارب، تحب وتكره وفق مقاييس الصورة التي تحتل بصرك وعقلك ووجدانك وتشكله كما أراد صانعوها لك.
عبر الصورة ووفقاً لطرح بودريار وفلاسفة «ما بعد الحداثة» ينفصل الإنسان عن واقعه ويعيش أوهام الحرية والرفاهية، كعبيد القرون الوسطى مقاداً بدل السلاسل بصور السلع ومنبهراً ببريق الملاهي.
بودريار يمضي برولاند بارت بعيداً حتى يرى اختفاء الواقع الحقيقي عن أبصارنا وعقولنا ولا نرى ونعيش إلا «المحاكاة» التي تقدمها لنا الصور.
الواقع صار يحاول محاكاة الصورة وليس العكس، لنعاني مرض التوحد والانفصال عن الواقع الحقيقي كأفراد وشعوب ودول، وفنون وآداب وحتى عقائد وأديان.
ألم تجعلنا صور «إم بي سي» أمة تأكل خليجي وترقص خليجي وتكتب خليجي وتقرأ خليجي وتتعطر خليجي؟ خليجي الصورة والمحاكاة وليس خليجي الواقع الحقيقي الباهت.
الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي وكل التصاوير التي اجتاحنا طوفانها جعلنا نبهر الدنيا بقفزنا من مشاريع الحداثة إلى تفكيك ما بعد الحداثة وأوهام الرفاهية والعصرنة بالاستهلاك بدل الإنتاج وبالهدم بدل البناء، بعقل الكومبرادور التابع والمحتل بدل الاستقلال والمشروع الوطني الجامع.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات