في أوطاننا العربية، لم يعد بائع الوهم رجلاً يقف في السوق ويصرخ: «اقتربوا... اقتربوا...»، بل صار يرتدي ربطة عنق، ويجلس خلف مكتب من خشب الجوز، وحوله عشرات الميكروفونات التي تشبه فوهات البنادق.
الذي يبيع الوهم للشباب في وطني اليوم، صار يحكم... وصار يُحلل الوطن كما يُحلل الجزار خروف العيد.
في البداية، اصطفت له البدل العربية والجرود وقصاع البازين والكسكسي، وحتى أصحاب البدلات الرسمية واللحى المصبوغة الطويلة والقصيرة والسراويل الأفغانية، صافحوه بحرارة وطنية لا مثيل لها، ثم اكتشفوا أن السفينة تغرق، فابتعدوا عنه قليلاً... لكنه أعاد شراءهم بسرعة بحنكته وماله، وحتى بترهيبهم. كان شراؤهم ببعض الدراهم، أو بمنصب صغير عليه عظم يابس يلحسه صاحبه حتى آخر العمر ويتفاخر به أمام الناس. يا الله من عجب! رجال باعوا أنفسهم لبائعي الأوهام؟
في بلادنا، يمكنك أن تشتري مثقفاً بحقيبة سفر، وإعلامياً بوليمة، ومسؤولاً بكرسيٍّ دوار. أما الفقير، فيكفيه كيس أرز وصورة مع المسؤول وهو يبتسم كأنه حرر القدس صباحاً.
هبات للزواج... هبات للحج... منحة للزوجة والأولاد... ذبائح الأعياد... أعلاف... سيارات وملابس وغيره.
وأحياناً يوزعون على الناس أحلاماً بالتقسيط المريح، والناس تنتظر رسائل عبر هواتفهم، ولكن هذا لن يحدث.
كل ذلك ليس حباً بالشعب، بل محاولةٌ لإسكات القلب الثائر، وإطفاء نار الحقيقة، ووضع غطاءٍ معدني فوق بركانٍ يغلي منذ سنوات.
وفي الجهة الأخرى، هناك نوع أحدث من بيع الوهم، وهم مسلح بالإسمنت والحديد؛ وهم الطرقات والجسور وطلاء المباني المتهرئة.
يضعون بعض الطوب فوق بعضه، ويمدون أسلاكاً وحديداً، ويشقون طريقاً عشوائياً بين الخراب، ثم يقفون أمام الكاميرات كأنهم اخترعوا اليابسة بعد الطوفان.
ستجد طريقاً بلا بشر، وجسراً بلا عدالة ولا عبور للتغيير، ومدناً جديدة يسكنها الإسمنت أكثر من الناس الذين تلهث يومياً للحصول على قوت يومها... يا لها من صدمة... وهم الحياة.
أما المواطن، ذلك الكائن الذي يشبه إشعار الضرائب، فلا أحد يتذكره إلا في مواسم التصفيق أو الانتخابات أو الجنازات الوطنية الكبرى.
القبضة الحديدية لا تبني وطناً، هي فقط تؤجل الانفجار. كل سلسلةٍ توضع في رقبة إنسان تتحول مع الوقت إلى سؤال، وكل خوفٍ مدفون ينبت ذات يومٍ في هيئة غضب.
إذا كنت معارضاً أو لا توافق من يبيعون الوهم، فقد ينتهي الأمر بسلاسل، أو ببراميل الذوبان، أو بعظامٍ مجهولة تحت رمال الصحراء، تتنازعها الكلاب والبيانات الرسمية.
الوهم لا يبني دولة، لأن الدولة ليست حفلة خطابات، ولا نشرة أخبار طويلة، ولا صورة زعيم أكبر من الوطن نفسه.
الوهم مثل المخدر، يجعل الناس يضحكون قليلاً، ثم يستيقظون في الصباح ليكتشفوا أن جيوبهم فارغة، وأعمارهم سُرقت، وأنهم كانوا يصفقون لمن يبيعهم الهواء معبأً في علب فاخرة.
وعندما يكتشف الجميع أنهم عاشوا داخل وهمٍ كبير، وأن أحداً كان يضحك عليهم طوال الوقت...
سيأتي السؤال المخيف: هل ينهضون أخيراً؟ أم يمدون أيديهم مرةً أخرى لبائع الوهم نفسه، طالبين جرعةً جديدة من الكذب الوطني؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات