م تنشأ الأحزاب السياسية في الفكر الحديث لتكون مجرد أدوات للوصول إلى السلطة، بل جاءت بوصفها إحدى أهم وسائل تنظيم الاختلاف داخل الدولة. فالحزب، في جوهره، ليس تجمعاً انتخابياً مؤقتاً، ولا مظلة اجتماعية جديدة، وإنما مؤسسة فكرية وسياسية تنطلق من رؤية واضحة للدولة والاقتصاد والمجتمع، وتسعى إلى إقناع المواطنين بها عبر البرامج والسياسات، لا عبر روابط الدم أو الجغرافيا أو المصالح العابرة. وقد استقر الفكر السياسي الحديث على أن الأحزاب تمثل حلقة الوصل بين المجتمع والدولة، إذ تتولى بلورة المصالح العامة وتحويلها إلى برامج وسياسات قابلة للتنفيذ، ولذلك كانت، في التجارب الديمقراطية الراسخة، مدارس لإنتاج النخب، ومختبرات لصناعة السياسات العامة، وآليات لتجديد الحياة السياسية بصورة سلمية ومنظمة.
غير أن هذه الفلسفة تفقد معناها عندما يسبق هاجس الوصول إلى السلطة بناء المشروع السياسي. فعندما يُؤسَّس الحزب قبل أن تتبلور عقيدته، وقبل أن تتحدد رؤيته للاقتصاد والتعليم والإدارة المحلية والعدالة الاجتماعية، يصبح التنظيم غاية في ذاته، وتتحول السياسة من رسالة إلى منافسة على المواقع. وحينها لا يعود السؤال: ماذا سيقدم الحزب للدولة؟ بل يصبح: كيف سيصل إلى السلطة؟
وهنا تكمن إحدى الإشكاليات التي رافقت التجربة الحزبية في ليبيا منذ بداياتها. فالتعددية السياسية، في حد ذاتها، ليست أزمة، بل هي شرط من شروط الحياة الديمقراطية. والدول المستقرة تضم عشرات، بل مئات الأحزاب، تتباين في مرجعياتها الفكرية بين اليمين واليسار، والمحافظين والليبراليين، والديمقراطيين الاجتماعيين، والخضر، والعمال، وغيرها من المدارس السياسية التي يعرف كل منها نفسه من خلال مشروع فكري متماسك قبل أن يعرف نفسه من خلال قياداته أو قواعده الانتخابية.
أما في الحالة الليبية، فقد بدا المشهد مختلفاً إلى حد بعيد. فقد أفرزت التجربة الحزبية عدداً كبيراً من الكيانات السياسية في فترة زمنية وجيزة، بينما بقي السؤال الأكثر أهمية معلقاً: ما الذي يميز هذا الحزب عن غيره؟ وما هي عقيدته السياسية؟ وما رؤيته لإدارة الدولة؟ وكيف يعالج الاقتصاد الريعي؟ وما تصوره لشكل الإدارة المحلية، والتنمية، والعلاقة بين السلطات، وإصلاح التعليم، وإعادة بناء المؤسسات؟
في كثير من الأحيان لم تكن الإجابات واضحة بالقدر الكافي، لأن بعض الكيانات السياسية تشكلت قبل أن يكتمل مشروعها الفكري. فغلبت الشعارات العامة على البرامج التفصيلية، وارتفعت العبارات الجاذبة التي يصعب الاختلاف معها، بينما ظلت السياسات القابلة للتنفيذ غائبة أو مؤجلة. وبذلك أصبح الانتماء إلى الحزب، في حالات عديدة، انتماءً إلى عنوان سياسي أكثر منه انتماءً إلى مدرسة فكرية ذات ملامح محددة.
لكن الفراغ الفكري لا يبقى فراغاً طويلاً. فالحزب الذي لا يستطيع أن يستمد شرعيته من برنامجه، سيبحث بطبيعته عن مصدر آخر يمنحه القوة والحضور. وهنا تبدأ الحواضن الاجتماعية في لعب دور يتجاوز حدودها الطبيعية. وليس المقصود بالحواضن هنا القبيلة وحدها، وإنما كل أشكال الاصطفاف التي تسبق الفكرة السياسية؛ من روابط جهوية، أو اجتماعية، أو شبكات مصالح، أو تجمعات محلية. وهذه جميعاً مكونات طبيعية في أي مجتمع، ولا تمثل في ذاتها مشكلة، بل قد تؤدي أدواراً إيجابية في حفظ التماسك الاجتماعي. غير أن الإشكال يبدأ عندما تتحول من بيئات اجتماعية إلى مصادر للشرعية السياسية.
فالفرق كبير بين أن يتحاور الحزب مع القبيلة، وأن يستند إليها. وبين أن يحترم البنية الاجتماعية، وأن يجعلها أساساً لبنائه التنظيمي. وبين أن يخاطب جميع المواطنين، وأن يختزل جمهوره في دوائر الانتماء التقليدي. ففي اللحظة التي تصبح فيها الحاضنة الاجتماعية أهم من البرنامج السياسي، ينتقل مركز الثقل من الفكرة إلى الهوية، ومن المشروع إلى الكتلة، ومن الإقناع إلى الحشد.
ولم يكن هذا التحول نتاج قوة القبيلة أو الجهة أو المصالح المحلية، بقدر ما كان نتيجة مباشرة لضعف البناء الحزبي نفسه. فالقبيلة لم تُنشأ لتقدم برامج اقتصادية، ولا لتضع سياسات تعليمية، ولا لتصوغ تشريعات للدولة. إنها تؤدي وظيفة اجتماعية تختلف جذرياً عن وظيفة الحزب. أما الحزب، فإذا تخلى عن مسؤوليته في إنتاج الأفكار والسياسات، فمن الطبيعي أن يبحث عن بدائل تعوض هذا النقص، ولو كان الثمن التخلي تدريجياً عن استقلاليته الفكرية.
ولعل ممارسات عدد من القوى السياسية خلال مرحلة المؤتمر الوطني العام قدمت مثالاً بالغ الدلالة على هذه الإشكالية. فقد كانت تلك المرحلة فرصة تاريخية لترسيخ تقاليد العمل الحزبي وبناء مؤسسات الدولة على أساس التنافس البرامجي. غير أن تطورات المشهد السياسي أظهرت، في كثير من الأحيان، انتقالاً مبكراً من التنافس على بناء السلطة إلى التنافس على امتلاكها. وتحولت بعض التحالفات من أدوات لتنفيذ المشاريع السياسية إلى وسائل لتجميع الأصوات وضمان المواقع، وتقدمت الحسابات الآنية على الرؤية بعيدة المدى. وكانت النتيجة تراجعاً ملحوظاً في ثقة شريحة واسعة من المواطنين بقدرة الأحزاب على تمثيل مشروع وطني جامع، وازدياد الانطباع بأنها أصبحت جزءاً من التنافس على السلطة أكثر من كونها شريكاً في بناء الدولة.
وقد عززت بعض حالات الانتقال بين الأحزاب، التي لم يصاحبها تفسير فكري واضح أو مراجعات سياسية معلنة، الانطباع لدى الرأي العام بأن الانتماء الحزبي ارتبط، في بعض الحالات، بحسابات تتصل بالموقع السياسي أكثر من ارتباطه بثبات المشروع الفكري. ولم تكن المشكلة في الانتقال ذاته، فذلك أمر تعرفه جميع الديمقراطيات، وإنما في غياب التفسير الفكري الذي يمنح هذا الانتقال مشروعيته السياسية ويجعله تطوراً طبيعياً في القناعة، لا مجرد تبدل في المواقع.
لقد أفرز هذا الواقع ثقافة سياسية جديدة، لم يعد فيها البرنامج هو المعيار الحاسم في تقييم الأحزاب، بل قدرتها على نسج التحالفات واستقطاب الحواضن الاجتماعية. وأصبح النجاح السياسي يقاس بحجم الكتلة التي يمكن حشدها، لا بمدى جودة السياسات التي يمكن تنفيذها. ومع مرور الوقت، انعكس ذلك على أداء السلطة نفسها، إذ غلبت اعتبارات التوازنات على اعتبارات الكفاءة، وتقدمت المحاصصة على التخطيط، وأصبحت الأولوية، في كثير من الأحيان، لإدارة التحالفات أكثر من إدارة الدولة.
إن النقد هنا لا يستهدف الأحزاب بوصفها فكرة، ولا القبيلة بوصفها مكوناً اجتماعياً، ولا الجهوية بوصفها واقعاً جغرافياً، ولا حتى المصالح المشروعة التي ترافق أي نشاط سياسي. فالسياسة بطبيعتها تقوم على التفاعل مع المجتمع بكل مكوناته. لكن الفارق الجوهري يكمن في ترتيب الأولويات؛ هل يقود البرنامجُ الحاضنةَ، أم تقود الحاضنةُ البرنامج؟ وهل يصوغ الحزب تحالفاته انطلاقاً من مشروعه، أم يعيد تشكيل مشروعه وفقاً لموازين الولاء والنفوذ؟
إن التجربة الليبية اليوم ليست في حاجة إلى أحزاب أكثر عدداً، بل إلى أحزاب أكثر وضوحاً. أحزاب تعرف نفسها قبل أن تطلب من الناس أن يعرفوها، وتحدد موقعها الفكري قبل أن تحدد موقعها في السلطة، وتقدم للمواطن برنامجاً يمكن مساءلتها عليه، لا شعارات يمكن تأويلها بحسب تغير المراحل والظروف. فالحزب الذي لا يملك هوية فكرية مستقلة، سيجد نفسه مضطراً إلى استعارة هوية من خارجه، وعندها يصبح أسيراً للحاضنة التي منحته القوة، بدل أن يكون هو من يقودها نحو مشروع وطني أوسع.
إن مستقبل العمل الحزبي في ليبيا لن تحدده زيادة عدد الأحزاب أو تقليصها، بل قدرة هذه الأحزاب على استعادة معناها الحقيقي. فالحزب الذي لا ينتج فكراً، ولا يصوغ سياسات، ولا يربي كوادر قادرة على إدارة الدولة، سيفقد تدريجياً مبرر وجوده، مهما اتسعت قواعده أو كثرت مقاره أو ارتفعت شعاراته. أما الحزب الذي يبني شرعيته على البرنامج قبل الحاضنة، وعلى الكفاءة قبل الاصطفاف، وعلى المشروع قبل الموقع، فإنه وحده القادر على أن يكون ركيزة لدولة حديثة لا تتنافس فيها الجماعات على اقتسام السلطة، بل تتنافس فيها الأفكار على خدمة الوطن.
فالدول لا تضعف حين تختلف الأحزاب، بل حين تتشابه. وحين يصبح التنافس بينها على الحواضن الاجتماعية أكثر من التنافس على جودة البرامج، تفقد السياسة رسالتها، وتتحول الأحزاب من أدوات لتطوير الدولة إلى انعكاس لبنيتها التقليدية. وعندها لا تكون الأزمة في المجتمع، بل في السياسة التي عجزت عن الارتقاء به، واكتفت بأن تعيد إنتاجه في صورة تنظيمات تحمل أسماء حديثة، بينما تستبطن، في كثير من الأحيان، منطقاً لم يُخلق الحزب أصلاً ليقوم عليه.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات