في سبعينيات القرن الماضي، لاحظ الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز أن الكتاب لم يعد غاية فكرية، بل صار ذريعةً للظهور. يُكتب الكتاب سريعاً وهزيلاً، لا ليُقرأ، بل ليكون تذكرة دخول إلى الاستوديو. الصحافة - كما قال - لم تعد تنقل الحدث، بل صارت تصنعه، ولم تعد بحاجة إلى المفكر إلا بوصفه مادة عرض.
وأكمل بيير بورديو الصورة لاحقاً حين كشف أن التلفزيون يفضل «الزبون الطيب»: الضيف المضمون، غزير الكلام، الذي يملأ الوقت ولا يفاجئ أحداً.
هذا في فرنسا وأوروبا والغرب آنذاك، واليوم، في ليبيا، لم نعد بحاجة حتى إلى الكتاب الهزيل. المنصات الاجتماعية أنجزت المهمة كاملة. المنشور (البوست) صار هو السيرة الذاتية، وشريط التجربة، وشهادة حسن السلوك - كلها في آن واحد.
البوست: طلب توظيف مفتوح
فلنقل الحقيقة كما هي؛ قسم كبير مما يُكتب على فيسبوك الليبي ليس تفكيراً، بل طلب توظيف دائم. الكاتب لا ينشر ليقول شيئاً، بل ليُرى وهو يقوله بالطريقة الصحيحة. حسابه الشخصي يعمل كملف اعتماد مفتوح أمام غرف التحرير: هذه مواقفي، هذا خصمي الثابت، هذه لغتي القابلة للاقتطاع، هذا جمهوري، وهذا - الأهم - سقفي الذي لن أتجاوزه أبداً.
المنتج التلفزيوني لم يعد يسأل: ماذا يعرف هذا الرجل؟ بل يسأل: هل يمكن توقّعه؟ هل يهاجم من نريد ويصمت عمّن نحمي؟ هل يصنع مقطعاً يشتعل تداولاً دون أن يحرق القناة نفسها؟ المعرفة صارت تفصيلاً ثانوياً في عقد التوظيف.
الزبون الطيب الليبي: صخب بإذن مسبق
المفارقة التي يجب أن تُقال بوضوح: القناة الليبية المستقطبة لا تريد ضيفاً مهذباً. تريد مشاغباً منضبطاً. تريد صراخاً عالياً في الاتجاه المأمون.
الضيف المثالي هو الذي يشعل الاستوديو (الهواء) ضد المعسكر الآخر، ويتهم، ويقصف، ويقاطع - لكنه لا يسأل أبداً السؤال الوحيد الممنوع: من يموّل هذه القناة، ولماذا؟
العدوانية ليست نقيض التدجين. في التلفزيون الليبي، العدوانية هي أنجح صور التدجين على الإطلاق.
المشاجرة الحادة تُباع للمشاهد بوصفها تعددية وجرأة، بينما الموضوع والضيوف وحدود الاتهام كلها مضبوطة سلفاً في غرفة التحرير. ما تراه مواجهةً هو توزيع أدوار داخل مسرحية واحدة، مكتوبة بحبر الممول.
الشاشات أسلحة، والمحللون ذخيرة
الاستقطاب الليبي لم يشوّه الإعلام فحسب؛ بل أعاد تعريف وظيفته من الأساس. القنوات في معظمها ليست مؤسسات صحفية تتنافس على الحقيقة، بل امتدادات إعلامية لأطراف الانقسام السياسي والعسكري ولداعميها الإقليميين. بنية القطاع تعكس بنية النزاع: لكل معسكر شاشاته، ولكل شاشة قائمتها الثابتة من «الخبراء» الذين لا يخطئون أبداً اتجاه الغضب.
في هذا السوق، لا يُنتقى المحلل لكفاءته بل لثبات انحيازه. الضيف الذي قد ينتقد خصوم القناة اليوم، ثم يطبّق المعيار نفسه على حلفائها غداً، يُصنّف «عالي المخاطر» - مهما بلغت كفاءته. المطلوب ليس عقلاً بل بوصلة معطوبة عطباً مضموناً، تشير دائماً إلى العدو نفسه.
رقابة لا تحتاج رقيباً
بالطبع لا يُبلّغ الكاتب بهذه القواعد. إنه يتعلمها وحده، ويطبقها على نفسه قبل أن يطلبها منه أحد. يكتب بعين المنتج الذي يتخيّله يقرأ: فيرفع نبرة الهجوم على الخصم، ويبتلع نقد الحليف، ويسارع إلى التعليق على كل حدث كي لا يغيب عن دفاتر الترشيح، ويتعلم أن اليقين الصارخ يفتح الأبواب التي يغلقها التردد الأمين.
هذه رقابة لا تحتاج رقيباً ولا هاتفاً يهدد. إنها رقابة يمارسها الطامح على نفسه تحت إغراء الضوء. القناة لا تفرض عليه شيئاً بعد الاستضافة؛ إنها ببساطة تنتظره أن يصنع نفسه على مقاسها مسبقاً، وهو يفعل.
وللإنصاف، لا بد من تمييز قاسٍ هنا: في بلد الاغتيالات والخطف، ليس كل صمتٍ تودداً. بعض الصمت نجاة. لكن الفارق بين من يصمت خوفاً ومن يصمت طمعاً في «كرسي البلاتوه» هو بالضبط الفارق بين ضحية النظام وأحد صنّاعه الصغار.
مصنع الخبراء: دائرة مغلقة
ثم تكتمل الآلة: المنشور يجلب الدعوة، والدعوة تمنح صاحبها لقب «محلل سياسي»، والمقطع التلفزيوني يعود إلى فيسبوك فيتضاعف المتابعون، وكثرة المتابعين تصبح حجةً لدعوات جديدة.
وفي نهاية الدورة، تبدو الشهرة ثمرةً للخبرة - بينما «الخبرة» نفسها لم تكن يوماً سوى ناتج تكرار الاستضافة.
هكذا يولد كائن إعلامي ليبي جديد: دائم الجواب، سريع الحكم، واسع الاختصاص إلى حدّ العبث - يفتي في النفط صباحاً وفي التحالفات الدولية مساءً - ثابت العدو، لا يقول «لا أعرف» أبداً لأن الاعتراف بالجهل يهدد رخصة عمله.
كثرة ظهوره على الشاشات تُقدَّم دليلاً على علمه، وهي في الحقيقة دليل على شيء واحد فقط: أنه زبون لم يخلق مشكلة قط لمن استضافه.
تعدد الوجوه، وحدة الطاعة
النتيجة صادمة في بساطتها: الاستقطاب الليبي لا ينتج اختلافاً في التفكير، بل ضجيجاً متعدداً داخل حدود الميول والتمويل. لكل قناة خصومها المفضلون وضيوفها المضمونون، وحتى «الصوت المخالف» حين يُستضاف، يُختار غالباً لأنه يصلح خصماً مناسباً: ضعيف الحجة، سريع الانفعال، ديكوراً شكلياً لتوازنٍ لا وجود له.
الشاشة الليبية لم تعد مرآة تعرض الانقسام؛ صارت مصنعاً يعيد إنتاجه كل ليلة، والمنصات تغذّيه بالوجوه الجاهزة، ثم يعيد هو شحن تلك الوجوه بسلطة تعود بها إلى المنصات. دائرة كاملة، محكمة، لا يدخلها الفكر إلا مذبوحاً.
المعيار الذي لا يُشترى
ليست المأساة أن الفكر انتقل من الكتاب إلى المنشور؛ فقد ينتقل الفكر الجاد إلى أي وعاء. المأساة أن معيار القيمة نفسه انتقل: من قوة الفكرة إلى قابلية صاحبها للاستخدام.
ولأن المشاكسة الشاملة قد تصبح بدورها علامة تجارية مربحة، فإن إغضاب الجميع ليس برهاناً على الاستقلال. البرهان الوحيد هو الكلفة: هل انتقد المحلل حليفه وهو في ذروة قوته لا بعد سقوطه؟ هل خسر شاشة أو جمهوراً أو أماناً ثمناً لموقف؟ هل قال يوماً «لا أعرف» على الهواء؟
كان جيل دولوز يرى في التفكير الحقيقي فعل مقاومة. وفي ليبيا اليوم، صارت المقاومة أبسط وأصعب مما نتخيل: أن تكتب وأن تقول على الهواء جملة واحدة لا تصلح طلب توظيف عند أحد.
فمن يستطيع؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات