تواصلت معي الأستاذة سناء درغموني*، وهي بصدد ترجمة ديوان الشاعرة سميرة البوزيدي «من سيرة الأيام الضائعة» إلى اللغة الإيطالية، راغبةً أن أكتب مقدمة لهذه الترجمة، ولأنه سبق لي أن تورطت مرة واحدة في التقديم لديوان شعري، أوضحت لها قناعتي الخاصة بلاجدوى التقديم للشعر لأنه يقدم نفسه بنفسه، وحين أوضحت لي أن ما ترغب فيه مقدمة عن حضور المرأة في المشهد الشعري الليبي، وقد سبق لي أن أعددت ورقة للمشاركة في ندوة بطرابلس عن الشعر النسوي في مطلع الألفية، تحمست لإعادة كتابة هذه الورقة ومن ثم التطرق لتجربة الشاعرة في هذا السياق، وكانت هذه المقدمة التي لا تدعي الإحاطة بهذه المسألة المعقدة بقدر ما تثير إشارات وأسئلة حيالها، مع التأكيد على أن تجربة الشاعرة سميرة البوزيدي المثابرة والمتطورة بإطراد مهمة في سياق الشعر العربي عموماً وتحتاج إلى تفحص نقدي متروٍ أكثر عمقاً ومسؤولية.
وأنا بصدد الكتابة عن المشهد الشعري الليبي الحديث الذي تُشكل الشاعرة سميرة البوزيدي إحدى لوحاته البارزة، ليس من الوجيه نقدياً، وفي إطار نقد الفن خصوصاً، أن أضع الشاعرة في سياق أضيق من طموح مشروعها الشعري ذي البعد الإنساني بتهويماته الوجودية، ولكن لأن لكل تجرية شعرية تاريخها ومكانها وهويتها التي تنطلق منها، أجد نفسي أكثر ميلاً لتقصي فضاء هذه البيئة التي تشكلت فيها قصيدة الشاعرة، لاعتبارات أهمها: أن المتتبع لحركة الشعر الليبي بداية من القرن الماضي على الأقل، يضع يده على شبه غياب أو حضور خجول للشاعرة الأنثى طيلة عقود هيمن فيها الشعر الذكوري في بيئة بطركية تحتفي بكل ما هو مذكر في تقعيد اللغة وفي الإبداع، وضمن تراث نقدي ذكوري يصف الشاعر المجد بـ(الشاعر الفحل)، ومن ثم سنكتشف حضوراً مميزاً، كيفاً وكماً، لنتاج شاعرات ليبيات حين تخلصت القصيدة من استعراض عضلاتها اللغوية والبلاغية والعروضية وركنت إلى نثر هامس، أو ما نتفق على تسميته (القصيدة النثرية).
وهذا ما يسحبني، من جانب آخر، صوب مقاربة المشهد الشعري النسوي في ليبيا، وهو توصيف جندري ما زال محل خلاف بين من يرون أن للشعر وللفنون عموماً جوهراً إنسانياً، وأن هذا التوصيف لا يخلو من التمييز العنصري المنسحب على تقاليد الحياة الاجتماعية عموماً، وبين من يرون أن ثمة خصائص جنسية للفن تثريه ولا تنقص منه، وهو رأي ما زال يوافق تصوري الذي دافعت عنه بما أوتيت فيما يتعلق بخصوصية الشعر الأنثوي أو الفنون عموماً، وهو أمر مربك بقدر ما لا يخلو من قابلية للتفحص النقدي، غير أنه ثمة خصائص أنثوية في النص لا يمكن تجاهلها، وهي خصائص تثري النص وتميزه ولا تنقص من قيمته الإبداعية، وربما هذا ما يفسر استئناس الشاعرة للقصيدة النثرية التي وجدت وشيجة روحية مع طبيعة بنائها وخطابها، وأعتقد أنه بقدر ما ألعاب الطفلة تختلف غريزياً عن ألعاب الطفل، يوجد برزخ شفاف يفصل بين جنسيّ الإبداع ، يمتزجان أحياناً وينفصلان كما في الحياة نفسها، خصوصاً ونحن نعتقد أن الفنون نوع من الألعاب التي تكبر معنا.
ومن جانب آخر، ومع شبه غياب المرأة في ليبيا عن أكثر من نصف قرن من الشعر (الموزون المقفى)، يمكن أن نذهب أكثر في الزمن عبر إبداء ملاحظات سريعة حول حضورها في التراث الشعري الشفوي الممتد لقرون؛ الذي هو أيضا هيمن عليه الذكور مع إفساح فجوات محدودة ومقلصة لقريحة الأنثى التي تنشأ على هامش المتن الذكوري، وبما أن الشعر يشكل متن الموروث الإبداعي باللهجة العامية، فإن شعرية المرأة نمت على ضاف هذا المتن كمساحة مختلسة للبوح وفق ذرائع مرتبطة بالأداة أو المناسبة، فكان حضورها الشعري مقتصراً على الفخر بالرجل أخاً أو ابن عم، أو رثاء الفرسان، لتتحول هذه القريحة إلى ما يشبه المهنة أو ما تسمى في الثقافة الشعبية (القوّالة) وكأن الأنثى لا تستحق وصفها بالشاعرة، وقد صدر ديوانان باللهجة العامية لشاعرتين عاشتا في النصف الأول من القرن الماضي: فاطمة بن عثمان وأم الخير العوكلي، يجيئان في السياق نفسه، وإن اتسعت مساحة البكائيات الخنسائية فيه لتشمل إضافة للفرسان رثاء المكان والقيم، والبكاء على الأطلال، وكان الرجل دائما بطل هذه القريحة ومركز شعريتها.
كما حضرت المرأة في ما يسمى بالمهاجاة، أو الأغاني المصاحبة لطحن الحبوب بالرحى، وتنوعت اهتمامات هذه الأغاني بين الفخر بفرسان القبيلة، وبين شجن هامس ملؤه الشكوى والتعبير عن المكبوت الاجتماعي والجسدي عبر رموز توظف فيها مفردات الأداة نفسها كاستعارات أو رموز لرغبات الروح والجسد المصادرة.
في مجال الكتابة المعاصرة والمدونة بجميع صنوفها، أو تحديدا منذ بروز الدولة الوطنية منتصف خمسينيات القرن الماضي، حضرت المرأة في السرد، رواية وقصة، وفي الخاطرة والمقالة، ومن ثم القصيدة، مع ملاحظة أن حضورها في الشعر يشكل شبه غياب عن مراحل القصيدة التقليدية المتمثلة في الشعر العمودي والشعر الحر، مع حضور مهم في القصيدة النثرية التي يبدو أنها استجابت بتحررها من القالب لوجدان الأنثى وحبرها.
ولكن هل خرجت، بما أنجزته في أدبها عموماً وشعرها خصوصاً، عن إرثها الشعبي الذي اقتصر على البكاء والشكوى؟ سؤال بالتأكيد يحتاج إلى دراسة متريثة لأدب المرأة لدينا، لكن ما يمكن لمسه هو أن الرجل تحول من موضوع فخر أو رثاء إلى سؤال ملح يتعلق بالحرية وبالشراكة المتوازنة وبتوق الجسد الباحث عن اكتماله مع النصف الآخر.
ولأننا معنيون بالمشهد الشعري الحديث، أو الشعرية عموماً، الذي تقع الشاعرة سميرة البوزيدي في قلبها، ظهرت مع حركة النشر والصحافة النشطة إبان الستينيات، أصوات نسائية مهمة، خصوصا في مجال الكتابة النثرية، القصة والرواية، مثل لطفية القبايلي ونادرة عويتي ومرضية النعاس وشريفة القيادي، حيث وجدن في النثر مساحة أوسع للتعبير عن همومهن وطرح أسئلتهن حيال المفارقة الجنسانية التي تسم المجتمع بطابعها، بينما كان حضور المرأة في الشعر خجولاً ومحدوداً فترة هيمنة النص التقليدي الذي احتكر مجاله الشعراء (الفحول).
وعلى ضفاف هذه الشعرية السردية، ظهرت فيما بعد شاعرتان لهما تجربة رائدة في القصيدة الليبية الحديثة أو ما يسمى القصيدة النثرية، اتسمت هاتان التجربتان بالجرأة في تفجير شكل ومضمون القصيدة. كانت النبرة الغنائية عالية وصوت المونولوج الداخلي أكثر اقتحاماً للمسكوت عنه، فكان شكل القصيدة يتشكل في حالة جدله القلقة مع يوتوبيا الجسد الساعي للحلول في حداثة الحياة اليومية: الشاعرتان: فاطمة محمود، وفوزية شلابي واللتان رغم التشابه الشكلي الظاهر في نصوصهما، إلا أنهما انتهجتا تقنيات نصية وخطابية مختلفة.
كانت فاطمة محمود تنهض مع جيلها الذي أسس للقصيدة النثرية مخلصة ــ مثل هذا الجيل ــ لسحر التجربة الماغوطية ولتأثيرات الشعر المترجم، ما ميز هذا الأداء الشعري بالالتحام بالحياة اليومية، والانشغال بوسواس الذات الباحثة عن تاريخ ومعنى. بينما نهضت قصيدة الشاعرة فوزية شلابي على إنشائية مهيمنة تحاول تقشير ظلال المفردة وتحميل اللغة المجردة بوسوساتها الشعرية المضادة لأي قالب جاهز، مع إدراج لحصيلتها المعرفية في ثنايا النص، والخطاب في التجربتين كان يسعى لهدم الشكل الاجتماعي التقليدي في سياق هدم الشكل الشعري السائد، وسؤال الحرية كان أصيلاً في التجربتين، وإن كان مختلفاً في المنطلق.
ولكن وفق نزوع لخصيصة ليبية اضمحل إنتاج هاتين الشاعرتين، ولتظهر أسماء أخرى حاولت أن تستعيد ذاكرة النص المؤسس وإن كان عبر تواشج خفي مع مأزق المرأة في بنية مجتمع أبوي، فغصت النصوص بشكوى حارقة من كافة السلطات التي تكثف خطاباتها ضد الأنوثة كجغرافيا هشة في خارطة البنيان الاجتماعي، ومثَل هذه المرحلة شاعرات مثل خديجة الصادق وعائشة المغربي ومريم سلامة ومديحة النعاس وليلى النيهوم...
* سناء درغموني؛ أكاديمية ومترجمة مغربية بارزة من العربية إلى الإيطالية وبالعكس، تشغل منصب أستاذة في جامعتي بولونيا وكافوسكاري في إيطاليا. لعبت دوراً مهماً في نقل الأدب العربي، ولا سيما الأدب الليبي والشعر، إلى القارئ الإيطالي، مؤكدة على أن «المترجم شريك في العملية الإبداعية».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات