Atwasat

شارع الصحافة (10)

سالم الكبتي 14 ساعة
سالم الكبتي

وتلك حكمة بالغة أو سواها أن يقود البترول صفحات الجرائد في شارعها إلى المواجهات وتنبيه المسؤولين عن المظاهر التي طرأت نتيجة لاكتشافه ثم تصديره من الأراضي الليبية. دخلت ليبيا عصر البترول. فاحت رائحة الذهب الأسود. تناثرت قطراته الخام بقوة في مناطق الامتيازات والحقول الممتدة عبر الصحراء. البترول يقود إلى المزيد من الصراع.

في هذه الأرض الليبية حاول الإيطاليون العام 1938 البحث عنه في سيدي المصري قرب طرابلس. الطليان لم يتركوا شيئا في ليبيا الا وتقصوا أموره. درسوا وتابعوا وانتبهوا لكل مسألة. لم يتركوها للصدفة أو للفراغ. كل شيء في ليبيا كان وراءه قصة وحكاية في زمن الاحتلال.

سيدي المصري منطقة حضرية ليست في الصحراء لكن رغم ذلك انتشرت بعض رائحته ذلك العام. تجارب وبحوث لاقى بعضها التوفيق. غير أن الحرب التي ستغمر العالم بأسره في العام 1939 أجلت وأوقفت كل محاولة. فماذا لو لم تحدث يومها تلك الحرب وماذا لو امتد النشاط الإيطالي الخاص بالبترول إلى مناطق أخرى.. ماذا كان سيقع ويحدث. هل سيبقى الاحتلال. هل سيغير البترول وجه المستعمرة وهل سيضخ المزيد من الرفاهية في العنفوان الفاشي القابع في روما؟

انتهت الحرب. توقفت. عالج العالم الخراب والدمار وفي ليبيا سكت تماما الحديث عن ما يتصل بالذهب الواقع تحت الأقدام وكل المعادن الأخرى. سعت البلاد بمكوناتها وبالواقع الحاصل في أطرافها نحو الاستقلال. ظلت ليبيا فقيرة ومعدمة وعجوزا عند البحر تتسول المساعدات والتبرعات من أسواق العالم والأمم المتحدة. وانصرفت لاكتشاف مراعي القتل والأحزان المتمثلة في ألغام الحروب. كانت الأرض الليبية عامرة بها من كل الأشكال والأنواع. ذلك (بترول) من نوع آخر. شركات وسماسرة استفادوا من هذا الموضوع. وجابت الصحراء طولا وعرضا لتجميع مخلفات الحرب وخردتها وألغامها. تجارة ما بعد الحرب نشأ عنها أثرياء واطماع وشبهات وصراعات. ونهض هنا الشعر الشعبي في أعوام الاستقلال الأولى بتعرية ما يحدث كل يوم ولم ينتبه ثمة أحد في الداخل إلى المعدن الغائب في الجوف البعيد أسفل الأرض.. إلى البترول. تكفلت بذلك اسو بدءا من العام 1954.

ثم تسربت التقارير والأخبار والمعلومات من المصادر الخفية والمعلنة. تواردت أثرها الشركات الفخمة وقدمت من وراء البحار. ليبيا أصبحت في قلب الحدث. البترول وما سيترتب عنه. اكتشفت الآبار الأولى في زلطن. قبلها محاولات في جردس العبيد لم يصبها نجاح. وكان التنافس على البترول الذي سيغدو هو ملك الاقتصاد والاحتكارات المتوج حقيقة وفعلا. هرولة قوية للفوز بهذا الاكتشاف. شركات أجنبية لم تكن محلية. ضمت الخبراء وأصحاب المطامع والمقاولات والسماسرة واحتوت العمال الليبيين البسطاء والمقهورين في خيام من الخيش وضنك المعاملة وسرقة قوتهم.

البترول ظل يظهر ويكشف صورا مؤلمة لواقع يعتريه الفساد ويتغول بفعل نفوذ الشركات وتوافق مصالحها مع الرؤوس المحلية. بدأ الفساد يتسرب ويمتد مع امتدادات رائحة البترول ومعه صارت تبدلات وتغيرات وتطورات انعكست على سير اعمال إدارة الدولة وحكوماتها ومتابعة ذلك في شارع الصحافة. أصبح البترول موضوعا مهما ورئيسا في سطورها وأعمدتها. عرفت الصحافة وكتابها أن هذا البترول قلب ليبيا من تحتها إلى فوقها. ستنشأ عنه مظاهر جديدة وثقافة جديدة ومعارف جديدة. هي البترول وتفاصيله الذي غطت رائحته المنتشرة كل المدن والأرياف والقرى. سينمو هنا مع حراك المجتمع الناشئ الخارج من الحرب والفقر والجوع تحاسد وتباغض. مع التبدل وحدوث تلك التبدلات الطارئة. سيغدو هذا الأمر صدى بارزا في صفحات الصحف. تلتقط الهمسات والأخبار عن الفساد المتسرب والتحذير من عواقبه بل والخوف منه. قد يقود الوطن إلى المجهول. الفساد على الدوام هو أولى الخطوات لانهيار الأمة وضياعها. وحين يتقدم ويسري.. تواجهه الكلمة بشجاعة منقطعة النظير. الكلمة تهزم الفساد وتطيح به. تلك حكمة بالغة أيضا عبر الزمن وتقلبات الظروف والأيام.

حين وقع تصدير الشحنات الأولى من البترول من مرسى البريقة في أكتوبر 1961 بحضور الملك إدريس شخصيا عرف أن الرخاء الذي سيحل بسبب البترول على البلاد سيحمل معه مشاكل حذر منها في خطابه الذي أذاعه بعد شهرين بمناسبة العيد العاشر للاستقلال. الملك من جيل عارك الأيام ومرارتها وبهذه الرؤية للنعمة التي طرأت في عهده تدافعت وتواجهت رؤى غيرها من أجيال جديدة. كان كل في طريق.. جيل المسغبة والحاجة والذل والحرمان والكفاح وجيل البترول والرخاء الطارئ وفرص العيش الحديث المختلف عن سابقه تماما.

في العام 1963 خلال عيد الاستقلال الثاني عشر.. في هذا العام الذي شهد أزمات في شارع الصحافة مرت بنا أو ستمر أشار الملك في منشور وجهه إلى الحكومة وكافة مسؤولي الدولة بأنه لاحظ بكل أسف منذ فجر الاستقلال عند ذوي الأمر الميل إلى الترف والتبذير لأموال الدولة مع تفاحش هذا الأمر في المدة الأخيرة رغم ما أوصى به في خطابه السابق في العيد العاشر عن الرخاء ومشاكله وعن أن الكفر بالنعمة من موجبات زوالها. وأكد في المنشور أن هذه السنة (1963-1964) يجب أن تكون نقطة التحول من الإسراف والتبذير إلى الاقتصاد في صرف أموال الدولة مع مراعاة أن يكون بدون أدنى محاباة ولا أي اعتبار ويعمم ذلك ويتساوى فيه الملك والأمير والوزير وكل شخص في الدولة سواء كان جليلا أم حقيرا ويكون للشعب الفقير النصيب الأوفر من مال الدولة في قوته ومسكنه وعلاجه وتعليمه عاما شاملا لجميع شعب ليبيا وكل حكومة تتهاون بهذا الأمر مسؤولة عن إعطاء حساب والمعاقبة في ذلك العقاب الشديد. فهل وصلت كلمات الملك إلى الأسماع ودقت الجدران. الصحافة التقطت الفرصة. وجدتها مواتية واستندت في معاركها إلى ما قاله الملك. لم يحدث شيء باتجاه التغيير. فمن كان يلوي عنق الكلمات والامتناع عن مساندة مبادرة الملك بأي شكل والنهوض بتحمل ما ورد فيها. الكل تأخر ولم يتقدم. وصارت الدروب في مسالكها أكثر التواء وصعوبة.

كان ذلك آخر توجيه من الملك بشأن علمه بالانحراف والفساد في الدولة وأجهزتها. ذلك كان أمرا صحيحا وواقعا بالاستناد على الموجود وعلى تحذيرات الملك نفسه في مناسبات عديدة. يبدو أن طرقات الجدران في صيف 1963 وخريفه تناهت إلى الملك والدولة. ورسخت مفهوم الملك لما يحدث من بدايات فساد بسبب ثروة البترول وما تبعها.

كان هناك كما أشرت جرسان قرعا في أرجاء المملكة الليبية. اخترق الآذان والأبصار. فتح العيون على المزيد من المخفي والمسكوت عنه. محمود الهتكي ينشر مقالين متتابعين في جريدة طرابلس الغرب الحكومية. الأول يوم الأحد 1 يوليو 1963 والثاني بعده بأسبوع يوم الثامن منه. أشار في الأول إلى أنه في ليبيا شجرة عمرها خمسة وثمانون سنة تقريبا غريبة في تكوينها ولقد جاءوا بها من الخارج وفي ذلك الوقت كان الناس يعتقدون في كل شيء إلى درجة الإيمان بل العبادة فاستغل صاحب تلك الشجرة سذاجة الناس وجهلهم فأطلق عليها شجرة الجنة. ثم بعد ما ورد في عموده في شبه حكاية سريعة أشار بوضوح إلى أنه يعتقد بأن هذه الشجرة غير صالحة لليبيا. ولابد من إعدامها بأية طريقة. ثم المقال الآخر عن (أمي) وأبنائها الستة. كان يقصد ليبيا ورؤساء حكوماتها الذين تقلدوا مسؤوليتها منذ العام 1951. مكاشفة واضحة رغم الرمز والغمز في ثنايا السطور. والعجيب أنه نشر في جريدة حكومية ناطقة باسم الدولة وإعلامها!

الهتكي كان لاعبا في فريق الاتحاد بطرابلس. كان نشطا مع شباب حزب المؤتمر الوطني في الأربعينيات قبيل الاستقلال. لعل هذا النشاط شكل له وعيا سياسيا إلى حد ما. لكنه ظل في نظر الجهات المعنية (بعثيا). لكنه لم تطاله تحقيقات قضيتهم في ليبيا عام 1961.

الجرس الآخر كان قصيدة شعبية من خمسين بيتا للحاج جعفر الحبوني عند نقطة البردي قرب الحدود الشرقية لليبيا. صاح في جريدة العمل.. (وين ثروة البترول يا سمساره اللي ع الجرائد نسمعوا بأخباره) كان ذلك في الثالث والعشرين من سبتمبر 1963. رئيس الحكومة د. محيي الدين فكيني يومها كان يتحدث في نيويورك باسم ليبيا امام الجمعية العمومية للأمم المتحدة ويشرح قضايا تهم الدول العربية والأفريقية. وفي العدد نفسه مع الحاج جعفر عبر الصفحة الأولى والثالثة كانت أضواء في النهار للكاتب طالب الرويعي عن البريقة وسلطات اسو فوقها. أشار إلى أنه يمشي في أرض اسو وليس في أرضه.. ليبيا!!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»