الفنون، في جوهرها، كائن واحد متعدد الوجوه، تتشابه كما تختلف، وتتباين كما تتكامل. فماذا تكون الرواية إن لم تكن وجهاً آخرَ للسؤال الأبدي: ما الشعر؟ سؤال لا يعرف جواباً مستقراً، إذ إن كل محاولة للإجابة عنه تفتحه من جديد، وكأن الشعر في طبيعته سؤال لا يُقفل. ولأنني تنقلت بين ضفاف الشعر والرواية، فكان لا بد أن يتسرب الشعر إلى سطور روايتي، لا سيما «بيض النساء»، التي أراها على نحو ما، قصيدة طويلة متنكرة في هيئة سرد.
لكن ليت الرياح تأتي بما تشتهي الشعراء، فالشعر عمل ثقافي صعب المراس وعراكه وعر. وعليه، فهو ليس الولع بالإنشاء فيما جاءت به الأخبار في النشرات اليومية، وليس هو النسج على المنوال، ليس مراهقة المراهقين، وهذا العجن الذي يملأ الصحف الورقية والإلكترونية. الشعر اليوم خجول وظلّي وفي آخر قائمة مشهيات الميديا التي حتى الساعة تلهو بنا. أظن أن الشعر يكمن في المستقبل، في المجهول، الشعر بهذا ملاذ، وأرى الشعر في الفضائيين ممن يسكنون في الكواكب الأخرى بعد أن ضاقت الأرض بما رحبت. القصيدة الآن تبدو ضاربة في هذا البعد الاستكشافي، فكأنما من يتعاطى الشعر هم من العلماء، وهذا عود على بدء، في البدء كانت الكلمة: الشعر والسحر صنوان، وكذا في البدء الآن، الشعر والعلم صنوان، والعلم لا قومية ولا دين له.
هناك جيل شاب من الشعراء، تتوحد صرختهم رغم تباين أصواتهم، فتنشأ من هذه التعددية كتابة شعرية مفارقة ومشحونة بطاقة جمالية خالصة، تستحق الإصغاء. وفي ليبيا مثلاً، فإن الشعر يتغذى على الجمر؛ فالحرب التي عصفت بالبلاد وتُثقلها بالموت، بعثت في الشعراء حوافز الحياة. هكذا، الشعر ليس ترفاً، بل صرخة في وادٍ تغمره الوحشة، وزفرة مقاومة في وجه العبث.
لكن الشعر والحرب معاً أمران كثيران على المرء، فالشعر في الحرب يعلو عليه أزيز الرصاص. بالنسبة إليّ، غادرني الشعر حين خنته مع ضرة سقيمة، هي الانغماس في السياسة التي فُرضت علينا فرضاً وهي من لزوم ما لا يلزم في مذهبي. والشعر في المضمار العربي المتقدة نيرانه غدا غريباً حوصر في الزاوية الحرجة، رغم أن الشعراء لم يكفوا عن النزف. لكن طبول الحرب اجتاحت وتريات الموسيقى فغدا الغناء عارياً ينز بالألم. أما المسرح فكما يبدو غادر العالم كما الملاحم الكبرى، وهو الآن مبثوث في السينما والتلفزيون والرقص، ويبدو أنه كأب للفنون يعيش في كنف أبنائه الشرعيين وما شابه.
كثيراً ما يتنصل الأدباء من السياسة، كأنهم يكتبون في برج عاجي بعيد عن ضجيج العالم، فيما يتصرف الساسة وكأن الأدب ترف لا يعنيهم. من هذا المنطلق، فإن ما تعيشه بعض الشعوب العربية من اقتتال داخلي، لم يُخمد جذوة الإبداع، بل أوقدها. ففي ليبيا، كما في غيرها، ظهرت قوى ناعمة تخلق في العتمة ضوءاً، وتتشكل في وسط العاصفة. جيل جديد من المبدعين بزغ من تحت الأنقاض، يحمل في قلبه شرارة الفن ودهشة الكتابة، يبدع كما لم يبدع من قبل.
شهدت ليبيا، في الداخل كما في المهجر، ازدهاراً إبداعياً غير مسبوق، ظهرت ملامحه في السرد والشعر والفن. ورب ضارة نافعة، إذ بات الليبيون يكتبون بلغات أخرى، ويُنشر لهم في عواصم لم تكن تعرف عنهم سوى القليل. إنتاجهم يتوزع بين الوطن والمنفى، في نقلة نوعية لا تزال تنتظر من يقرأها ويحللها.
ومن نافل القول إن البشر الخلاقين لا تنبتهم الراحة، بل تصقلهم المحن كما تصقل النار الذهب، فتزيل عنهم الشوائب وتكشف جوهرهم. فمن رحم المعاناة، في السلم كما في الحرب، وُلدت أعظم الملاحم الإنسانية. فقد خُلق الإنسان في كبد، ومن صراع الضرورة تشكل مسار الحضارة. وما زلنا، إلى اليوم، نراوح مكاننا بين قابيل وهابيل، وكأن فترات السلم في تاريخ البشرية لم تكن سوى استراحات قصيرة لمحارب منهك.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات