خرجت علينا عناوين الأخبار أمس بمفاجأة تحمل طياتها الكثير من السخرية المضمرة والعزاء المعلن؛ إذ التقى «ليبيون» لا يعرف أحد منهم أحداً في جنيف — وليس في تمنهنت أو رأس المنقار أو غنيمة — وسط نسمات المتوسط العليلة في هذا القيظ اللاهب، ليشكلوا حكومة أطلقوا عليها اسم «حكومة الاستقرار»!
ومستفيدة من حنق الليبيين، وغضبهم بسبب انقطاع الكهرباء المستمر، قيل إن الحكومة الجديدة ستحل مشكلة الكهرباء خلال ساعات من توليها السلطة في طرابلس أو حتى من جنيف، بعد أن ترتب أوضاعها وتسمى وزراءها، وربما تلتقي مبعوثين من بعض الدول أيضا ليس لاستشارتهم واستلطافهم، بل لتبلغهم بنياتها الطيبة، ومش مهم عجبهم ولا ما عجبهم.. المهم يعرفوا بس!
وفي غفلة منا ومن العالم، قريبه وبعيده، المنغمس فينا حتى رأسه، كان الخبر مفاجأة بحق؛ حيث تلقفه الليبيون على منصات التواصل الاجتماعي، ووجّهوه إلى أصقاع الأرض بين ساخر وناقد وناقم وكاره، وقلة من المحبين.
وفي إطار تحول البلاد إلى مختبر للمبادرات السياسية — طفولية كانت أم شابة أم حتى كهلة — لم أستغرب أنا وغيري هذا النبأ، بل إن الكثيرين سخروا من مرارته، ومنهم من علّق متهكماً بأنه اتفق هو ومجموعة من معارفه على تشكيل حكومتهم الخاصة قريباً!
إن مسعد بولس يريد ليبيا خالصةً لسيده ترامب، وللوصول إلى هذه الغاية، يتوجب عليه أن يجعل من مبادرات وإحاطات هانا تيتيه مجرد «حكي فارغ» — أو كما يقول المثل الليبي «كلام ليل مدهون بالزبدة» — ولكن دون أن يعلن ذلك صراحة، أو حتى يهمس به همساً. بدلاً من ذلك، يتحرك بولس لتقديم البديل الذي يراه هو وسيد البيت الأبيض مناسباً ومفصلاً لليبيين؛ انطلاقاً من قناعة أمريكية مضمرة بأن الليبيين «تائهون»، ولا يملكون القدرة أو الأهلية لابتكار حلٍّ ينقذ بلادهم بأنفسهم.
ومع أن الأمر أقرب إلى السخرية منه إلى الجدية إلا أن خبر جنيف ينطوي على إيجابية مهمة جداً، وهي أن بعض الليبيين — على الأقل — قد تجرأوا وأخذوا زمام المبادرة بعيداً عن الأمم المتحدة أو أي طرف خارجي آخر، وهذا هو المعلن حتى الآن. لقد قرر هؤلاء أن يجربوا حظهم، لعل وعسى أن يصلوا إلى حلٍّ تنتقل به البلاد إلى رغد العيش والبحبوحة، بعد كل هذا الضنى والشقاء الذي تمر به البلاد والعباد.
حين نقارن مبادرة «حكومة الاستقرار» المولودة بلا قابلة في جنيف بالوليد الذي تبناه مولانا بولس الأكبر — كمثال — متنقلا به بين أفضل مستشفيات التوليد في واشنطن وروما وباريس وحتى أبوظبي، ندرك حجم المأساة التي نعيشها نحن وبلادنا معاً، وكيف تركنا الحبل على الغارب حتى صرنا هدفاً للمغامرين وأطفال السياسة، وحقل تجارب للكبار والمقتدرين منا ومن سوانا. فالأولى مجرد عبث طفولي يبحث عن شرعية مفقودة في الخارج، بينما الثانية هي العبث المنظم الذي يملك أدوات الضغط والقوة. وكلا المسارين يلتقيان في نقطة واحدة: تغييب إرادة الشعب الليبي بالكامل، وجعله مجرد رقم في جداول حسابات الآخرين.
والمثير للضحك والبكاء في آن معاً هو حالة «الاستنفار» التي تصيب الديناصورات السياسية الجاثمة على أنفاسنا كلما تسربت رائحة طبخة جديدة، فتراهم يتراكضون يمنة ويسرة، ويصدرون البيانات الطنانة عن «السيادة الوطنية» و«رفض التدخل الخارجي»، ولكن هذه المرة الجميع صمت عن جنيف في حين قالوا الكثير والمثير عن مولود بولس الأكبر، خاصة من زاوية الوطنية والشرعية وليبية الحل ودستوريته، وبقية المعزوف إياه، وهم في الحقيقة يعيشون على وهم أنهم حكام لليبيا، بينما الحقيقة أنهم مجرد بيادق في رقعة شطرنج يحركها لاعبون لا يكترثون حتى بحفظ أسمائهم ما دام تدفق النفط مستمرا، و«الجمود» يخدم مصالح الكبار، أكانوا من ذوي القربى أو البعاد منها، وما دام المهاجرون يُستعادون بالقوة إلى ليبيا، والكثير غير هذا يسير كما يريدون.
أما على الضفة الأخرى، فالمواطن الليبي قد بلغ من الكفر بالطبقة السياسية (وهي في الحقيقة أقرب إلى العصابات منها إلى الطبقة) — بمراهقيها وكهلتها — مبلغاً جعله يتابع هذه الأخبار بسخرية ولامبالاة، يجترها في مطاحن الحياة اليومية، ويلوكها بازدراء أصحابها في اللقاءات الدائمة بطوابير السيولة أو نظيرتها على البنزين التي لا تكاد تنتهي حتى تعود، أو أزمات انقطاع الكهرباء على الرغم من أن «الشركة العزيزة» تم ردمها بأطنان من الأموال تكفي لتغذية نصف الصين لمدة عام، ومع هذا لم تُحل المشكلة.
فالليبي اليوم لم يعد يعنيه إن تشكلت حكومة في جنيف أو حتى في «بر الكلب»، ولا يهمه إن مات وليد بولس الأكبر أو ترعرع وشب وصار رجلاً، ووَجْهَ «ميعاد»، وانضم إلى أحد مجالس الأعيان — وما أكثرها — وصار من أصحاب المشورة وفصاحة القول وحسن الرأي، فكلها في نظره تكرار لموضوع واحد فقد طعمه وشكله ولونه، ألا وهو منعه من اختيار من يحكمه ومن يمثله، أي انتخابات «يوك» بالعراقي!
لقد اعتاد المواطن «مخلوف الجغندغي» — وهو ممثل حقيقي للأغلبية الساحقة من الليبيين — أن يدفع وحده فاتورة هذا «العبث» من رزقه، وأمنه، ومستقبل أبنائه، بل أضيف أنه صار مهتماً فقط بثلاثة لا سواها: الراتب نهاية كل شهر، والبنزين الرخيص، والعلاج في تونس المجاورة، والشقيقة إن أحببت! وبالنسبة للمواطن الجغندغي، مثلاً، مشاهدة نهائي كأس العالم كانت أهم بالنسبة له من أخبار جنيف أو غيرها.
إلا أن المواطن الليبي، على الرغم من بؤسه وما يبدو عليه من نشاطه وكثرة مشاغله التي لا تنتهي، يميز الغث من السمين، ويعرف أن ما يجري — أكان خلف كواليس جنيف أو حتى خلف أبواب الحكومات المحلية المغلقة في وجهه — هدفه واحد: ديمومة الكراسي للجالسين عليها اليوم ومن يرثونهم فقط لا غير، وأن تأجيل الانتخابات إلى أطول أجل ممكن هو خيار استراتيجي لكل من هم على الكراسي الآن؛ أكانوا نواباً، وزراء، قادة جيوش، زعماء قبليين، قادة أحزاب، أو حتى مختاري محلات وعمداء بلديات.
وهذا يجب تمريره إما بموافقة البعثة الأممية أو برغبتها الناتجة عن ترغيبها بعد ترهيبها، ويدرك أن الفرق الجوهري بين البعثة، على إخفاقاتها، وسواها يكمن في الضمانة والمرجعية. فأي مبادرة من البعثة، على علاتها، لها مرجعية واضحة يمكن العودة اليها في أي وقت ألا وهي مجلس الأمن الدولي بكل ما فيه من كوارث، بينما مولانا بولس الأكبر لا يقدم أي ضمانة لأي شيء! ماذا سيحدث مثلاً لو أن ما يروج له تم فرضه علينا، وهو ما يبدو عليه الحال، وتمت إعادة تشكيل الرئاسي والحكومة (لمدة أقصاها عامان، ولاحظ أنها المدة المتبقية نفس من حكم ترمب وبالتالي عمل بولس).
وحين أزف الميعاد، يكون بولس ورئيسه خارج البيت الأبيض؟ لمن نلجأ لإخراج أولئك الذين أتى بهم بولس وقبلناهم على مضض أو عن عجز؟ من الذي يضمن أن كل الاتفاقيات السابقة سارية، وأن الدور الموكل لأولئك محدود ومقيد بالزمان والمكان وقد انتهى؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات