أعلنت محكمة جنايات طرابلس إدانة المسؤول الأمني الليبي أسامة المصري نجيم، وحكمت عليه بالسجن سبع سنوات وأربعة أشهر بتهم تتعلق بتعذيب نزلاء داخل مؤسسة للإصلاح والتأهيل. إلا أن صدور الحكم يثير سؤالًا قانونيًا يتجاوز القضاء الليبي: هل تكفي هذه المحاكمة لإنهاء المساءلة، أم أن المحكمة الجنائية الدولية ستواصل ملاحقته؟
فنجيم ليس مجرد مسؤول أمني يخضع لمحاكمة وطنية، بل هو مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بموجب مذكرة توقيف صدرت في يناير 2025، تتهمه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية يُزعم أنها ارتُكبت على مدى سنوات داخل سجن معيتيقة، وتشمل القتل، والتعذيب، والاغتصاب، والعنف الجنسي، والإخفاء القسري، والاضطهاد.
ويضع هذا التداخل بين المسارين الوطني والدولي القضية في صلب إحدى أكثر المسائل تعقيدًا في القانون الجنائي الدولي: متى تكون المحاكمة الوطنية كافية لوقف تدخل المحكمة الجنائية الدولية، ومتى تظل ولايتها قائمة رغم صدور حكم محلي؟
محاكمة داخلية... وأسئلة لم تُجب عنها
أعلن مكتب النائب العام الليبي، في 22 يونيو 2026، أن محكمة جنايات طرابلس أصدرت حكمًا بالسجن سبع سنوات وأربعة أشهر بحق «مسؤول إدارة العمليات والأمن القضائي»، بعد إدانته بانتهاك حقوق نزلاء مؤسسة طرابلس الرئيسية للإصلاح والتأهيل وتعريضهم للتعذيب والمعاملة القاسية والمهينة.
وأوضح البيان أن الدعوى أُقيمت استنادًا إلى بلاغات تتعلق بتعرض نزلاء المؤسسة للتعذيب وسوء المعاملة، كما قضت المحكمة بإفقاد المحكوم عليه الأهلية القانونية وحرمانه من حقوقه المدنية طوال مدة تنفيذ العقوبة ولمدة سنة بعدها.
ورغم أهمية الحكم، باعتباره من أبرز الأحكام الصادرة بحق مسؤول أمني رفيع، فإن البيان الرسمي ترك عددًا من الأسئلة دون إجابة. فلم يذكر اسم المتهم صراحة، ولم يوضح ما إذا كانت المحاكمة حضورية أم غيابية، كما لم يكشف هوية الهيئة القضائية التي أصدرت الحكم أو كيفية تنفيذ العقوبة.
ولم يقدم مكتب النائب العام أيضًا تفاصيل بشأن مدى ارتباط الإجراءات الوطنية بالاتهامات التي تنظر فيها المحكمة الجنائية الدولية، أو ما إذا كانت المحاكمة تناولت الوقائع الواردة في مذكرة التوقيف بحق أسامة نجيم.
ووجّه الكاتب، في 8 يوليو 2026، أسئلة إلى مكتب النائب العام للحصول على توضيحات بشأن طبيعة المحاكمة، ونطاق التهم، والإجراءات المتخذة، لكنه لم يتلقَّ ردًا حتى وقت إعداد هذا المقال.
المحكمة الجنائية الدولية: مذكرة التوقيف ما زالت سارية
وفي رد مكتوب على أسئلة الكاتب، أكد مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أن المحكمة لم تُخطر رسميًا بالحكم الصادر في ليبيا، وأن مذكرة التوقيف بحق أسامة نجيم لا تزال سارية.
وأوضح المكتب أن نجيم دفع بعدم اختصاص المحكمة وبعدم مقبولية القضية استنادًا إلى الإجراءات الجارية أمام القضاء الليبي، إلا أن الفصل في هذه المسألة يعود إلى الدائرة التمهيدية الأولى، التي ستقيّم ما إذا كانت القضية المنظورة أمام القضاء الليبي تتناول، إلى حد كبير، السلوك نفسه محل الاتهامات أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وبذلك، فإن صدور حكم وطني لا يؤدي تلقائيًا إلى إنهاء اختصاص المحكمة، إذ يبقى عليها تقييم ما إذا كانت الإجراءات الليبية تستوفي متطلبات مبدأ التكامل، من حيث نطاق الوقائع وجدية الملاحقة القضائية.
اختلاف في طبيعة الاتهامات
تشير البيانات الصادرة عن النيابة العامة الليبية إلى أن الإدانة تعلقت بانتهاكات بحق نزلاء مؤسسة للإصلاح والتأهيل، شملت التعذيب وسوء المعاملة.
في المقابل، تتضمن مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية اتهامات أوسع نطاقًا، تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها القتل، والاغتصاب، والعنف الجنسي، والإخفاء القسري، والاضطهاد، والتعذيب.
ولا يعني اختلاف الوصف القانوني بالضرورة أن الملفين منفصلان، لكنه يثير سؤالًا جوهريًا حول ما إذا كانت المحاكمة الوطنية تناولت الوقائع نفسها التي تستند إليها المحكمة الجنائية الدولية.
ويزداد هذا التعقيد في ظل غياب نصوص مستقلة في التشريع الليبي تُجرّم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفق التعريفات الواردة في نظام روما الأساسي، وهو ما قد ينعكس على نطاق الملاحقات القضائية داخل البلاد.
منظمة العفو الدولية.. أسئلة حول نطاق المحاكمة ومعايير العدالة
وفي رد مكتوب على أسئلة الكاتب، قال محمود شلبي، الباحث الإقليمي في منظمة العفو الدولية، إن السلطات الليبية لم تقدم معلومات كافية بشأن الإجراءات الجنائية المتخذة بحق أسامة نجيم، بما في ذلك طبيعة التهم التي نظرتها المحكمة ومدى ارتباطها بالجرائم الواردة في مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.
وأضاف أن هذا الغموض يثير تساؤلات حول شفافية المحاكمة ومدى استيفائها لمعايير المحاكمة العادلة، مشيرًا إلى أن الإجراءات الوطنية لا تحقق العدالة إلا إذا كانت مستقلة وشاملة وتناولت جميع الوقائع ذات الصلة.
وأوضح أن غياب نصوص مستقلة في القانون الليبي تُجرّم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفق المعايير الدولية قد يشكل عائقًا أمام محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، إلى جانب التحديات المتعلقة بحماية الشهود والوصول إلى الأدلة.
وأكد شلبي أن الحكم الوطني لا يكفي، بمفرده، لإغلاق ملف المساءلة، ما لم يثبت أن المحاكمة تناولت جوهر الاتهامات الدولية، داعيًا السلطات الليبية إلى التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية لضمان عدم الإفلات من العقاب.
شهادات الضحايا: روايات عن انتهاكات تتجاوز نطاق الحكم
لا يقتصر تقييم الحكم على أبعاده القانونية، بل يمتد إلى روايات الضحايا الذين يقولون إن ما تعرضوا له أو شهدوه داخل سجن معيتيقة يتجاوز الوقائع التي تناولها الحكم الصادر عن القضاء الليبي.
وفي إطار هذا التقرير، تحدث الكاتب إلى محتجزين سابقين استخدم لهما الاسمين المستعارين مراد وأحمد حفاظًا على سلامتهما، وقدّم كل منهما شهادته حول ما جرى داخل السجن ورأيه في الحكم الصادر بحق أسامة نجيم.
مراد: «الحكم لم يعكس حجم ما تعرضنا له»
قال مراد إنه استقبل الحكم بـ«الصدمة»، معتبرًا أنه لا يعكس حجم الانتهاكات التي يقول إنه تعرض لها وشهدها خلال فترة احتجازه.
وأوضح أنه تعرض، بحسب إفادته، للضرب المتكرر بواسطة خرطوم بلاستيكي (PPR)، وقال إن أسامة نجيم اعتدى عليه في أكثر من مناسبة، ما أدى في إحدى المرات إلى تورم في الوجه ونزيف في الأذن، وفي أخرى إلى تقيؤ دم، دون أن يتلقى رعاية طبية.
وأضاف أنه شاهد وفاة رجل مسن بعد تعرضه للتعذيب، فضلًا عن حالات أخرى قال إنها شملت اعتداءات جنسية ووفاة محتجز كان يعاني من مرض السل بعد عدم حصوله على العلاج.
ويرى مراد أن هذه الوقائع لم تكن، بحسب علمه، جزءًا من المحاكمة التي انتهت بالحكم الصادر في ليبيا، ولذلك يعتبر أن الإجراءات لم تتناول جميع الانتهاكات التي يقول إنها وقعت داخل السجن.
أحمد: «العدالة لم تكتمل»
وقال أحمد إنه استقبل الحكم بـ«الصدمة»، معتبرًا أنه لا يتناسب مع حجم الجرائم المنسوبة إلى أسامة نجيم.
وأضاف: «لم يكن التعذيب سوى جزء من الانتهاكات. القتل كان على رأس هرم الجرائم، سواء داخل أماكن الاحتجاز أو خارجها، وما شهدناه أكبر بكثير مما عالجه الحكم».
وأوضح أنه سبق أن أدلى بشهادته أمام القضاء في مصراتة بشأن أسامة نجيم ومجموعته، لكنه قال إنه لم يُستدعَ إلى المحاكمة التي انتهت بالحكم في طرابلس، ولم يتم إبلاغه بسير الإجراءات أو موعد صدور الحكم.
وأكد أنه لا يشعر بالأمان في الوقت الحالي، معربًا عن تأييده لإحالة نجيم إلى المحكمة الجنائية الدولية إذا طلبت ذلك، ومعتبرًا أن العدالة تقتضي التحقيق في جميع الجرائم المزعوم ارتكابها، وكشف الحقيقة، والاستماع إلى أكبر عدد ممكن من الضحايا والشهود.
ورغم اختلاف تفاصيل الشهادتين، يتفق مراد وأحمد على أن الحكم الصادر في ليبيا لم يتناول، من وجهة نظرهما، جميع الانتهاكات التي يقولان إنهما تعرضا لها أو شاهداها، وأن مسار المساءلة لا يزال غير مكتمل.
وتسلط هذه الشهادات الضوء على بُعد يتجاوز مجرد صدور حكم قضائي، إذ لا يُقاس مسار العدالة في القضايا المرتبطة بالجرائم الدولية بوجود محاكمة فحسب، بل أيضًا بمدى شمول التحقيقات، والاستماع إلى الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن جميع الانتهاكات المزعومة.
اختبار للعدالة الوطنية
لا تتعلق قضية أسامة نجيم بمصير متهم واحد، بل أصبحت اختبارًا لقدرة القضاء الليبي على التعامل مع أخطر الانتهاكات، ولحدود العلاقة بين العدالة الوطنية والعدالة الدولية.
فبينما تؤكد السلطات الليبية أن القضية خضعت للقضاء الوطني، يرى الضحايا الذين تحدثوا لهذا التقرير أن الحكم لم يشمل، بحسب رواياتهم، جميع الجرائم التي يقولون إنها ارتُكبت داخل سجن معيتيقة.
ويبقى القرار النهائي بشأن مدى كفاية الإجراءات الوطنية بيد المحكمة الجنائية الدولية، التي ستفصل في ما إذا كانت المحاكمة الليبية استوفت متطلبات مبدأ التكامل، أم أن الاتهامات المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تزال تستوجب استمرار الملاحقة الدولية.
وحتى يصدر ذلك القرار، تبقى الإدانة الصادرة عن القضاء الليبي محطة مهمة في مسار القضية، لكنها قد لا تكون الكلمة الأخيرة. فالسؤال الذي سيحدد مستقبل هذا الملف ليس ما إذا كان حكم قد صدر، بل ما إذا كانت المحاكمة الوطنية تناولت، جوهر الوقائع التي تقوم عليها الاتهامات الدولية.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات