Atwasat

مبادرة باكستانية أم تجربة استكشافية؟ لماذا الغموض والتخفي؟

مكي المغربي 23 ساعة
مكي المغربي

من الجيد أن تظهر مبادرات جديدة لحل الأزمة الليبية، فاستمرار الانقسام والصراع لا يخدم أحدًا، وأي جهد يسعى إلى تقريب وجهات النظر يستحق التعاطي الإيجابي من أجل ليبيا، قبل أن يكون من أجل وزن الوسيط وحجمه. لكن من السيئ والمحزن أن تبدو بعض هذه المبادرات أقرب إلى محاولات استكشاف أو بالونات اختبار، منها إلى مبادرات سياسية مكتملة ومحترمة. ولذلك نتساءل: هل الشعب الليبي بالنسبة للبعض حقل للتجارب الدبلوماسية؟ وأي مبادرة تحترمه يجب أن تكون واضحة، معلنة، وتتحمل مسؤوليتها، حتى إن انتهت إلى الفشل.

فالفشل في الوساطة أمر طبيعي، أما الغموض في هوية المبادرة ورعاتها وأهدافها، فلا يبني الثقة، بل يزيد الشكوك ويعمق الانقسام. والأسوأ من ذلك أنه يجعل ليبيا مجرد أرض تمرين دولي أو تصفية صراعات.

على الرغم من تداول تقارير إعلامية عن وساطة باكستانية في ليبيا، لم تعلن إسلام آباد عن أي شيء رسمي، ولذلك ما زالت طبيعتها الحقيقية محل تساؤل. فقد ذهبت بعض التحليلات إلى احتمال وجود دور صيني غير معلن، بحكم الشراكة الاستراتيجية بين بكين وإسلام آباد، بينما رأت تحليلات أخرى أن المبادرة تتحرك بتوجيه أو دعم سعودي، مع تنفيذ باكستاني. والحقيقة المرة هي أن غياب أي إعلان رسمي من الحكومة الباكستانية عن الوساطة أثار تساؤلات حول مدى نضجها أو جديتها، إذ لو كانت مبادرة مكتملة الأركان، لكان من المتوقع إعلانها رسميًا.

وفي المقابل، لم تصدر الحكومة الليبية أو الجيش الليبي بقيادة حفتر أي نفي رسمي لهذه الاتصالات، وهو ما أبقى الباب مفتوحًا أمام احتمال استمرارها في إطار غير معلن، أو في مرحلة اختبار المواقف.

ومن المفيد هنا مقارنة ذلك بما قام به المبعوث الأميركي مسعد بولس. فورقته السياسية تعرضت لانتقادات، خاصة أنها بدت وكأنها تقلل من وزن مدن وقوى ليبية مؤثرة، ومنها مصراتة. لكن بولس عاد وزار المدينة بنفسه، والتقى أعيانها، فأخبروه برأيهم، وهو ما يمكن تفسيره على أنه مراجعة للمقترحات، ومحاولة لتوسيع دائرة القبول بها. وهذا هو السلوك الطبيعي لأي وسيط؛ يستمع ثم يعدل، ولا يفترض أن تصوره الأول هو الحل النهائي.

لكن هل بدأ مسعد بولس بهذه الطريقة؟ لا، ولكن نحمد له الواقعية الجديدة، ويبقى السؤال: لماذا استعجلت أميركا؟ وكيف يمكن أن يأتي شخص، مهما كانت خبرته، فيقترح نقل العاصمة إلى سرت، ثم يُتوقع من الليبيين قبول ذلك خلال أسابيع؟ فهذه ليست طريقة واقعية لإدارة أزمة بهذا التعقيد. سرت مدينة عزيزة، وأهلها محل تقدير، كما أن كل مدينة ليبية جديرة بالاحترام، لكن اختيار العاصمة قرار سيادي يخص الليبيين وحدهم، وليس قرارًا إداريًا يمكن اتخاذه بالسرعة التي تُنقل بها مقار الشركات أو المؤسسات.

وتبرز كذلك أسئلة مشروعة حول الحياد. فباكستان ترتبط بعلاقات عسكرية واتفاقيات تعاون مع الجيش الليبي بقيادة المشير حفتر، وهو ما يجعل كثيرين يتساءلون: إذا كانت تقوم بالوساطة، فهل تتحرك باسم رؤية أميركية، أم أنها تقوم بدور مستقل؟ كما يقال إن السعودية تدعم المبادرة، لكن إذا كان ذلك صحيحًا، فلماذا لم تعلن باكستان نفسها هذه الوساطة بصورة رسمية؟ ولماذا تبقى المبادرة في دائرة التسريبات الإعلامية؟ أما الصين، فحتى لو افترض البعض وجود تشجيع منها، أو «تحريك وتحكم صيني» لباكستان لتقوم بالمبادرة، بحكم تحالفها الوثيق معها.

فإن إقحام ليبيا في حلف (الصين-باكستان)، أو أي محور دولي، هو قرار استراتيجي لا يجوز أن يُتخذ قبل قيام دولة ليبية موحدة. فالاصطفاف مع أي تحالف دولي يعني تلقائيًا الدخول في مواجهة مع تحالف آخر، وهو ثمن لا تحتاج ليبيا إلى دفعه، وهي ما زالت تبحث عن وحدتها واستقرارها.

في النهاية، لا تُقاس قيمة المبادرات بعدد الدول التي تقف خلفها، بل بمدى وضوحها وحيادها واحترامها لإرادة الليبيين. ولهذا، يصعب النظر بإيجابية إلى ما يسمى بالمبادرة الباكستانية في صورتها الحالية. فالغموض الذي يحيط بها أكبر من الوضوح، والأسئلة حولها أكثر من الإجابات. وليبيا لا تحتاج اليوم إلى مبادرات تجريبية، بل إلى مسار معلن وشفاف يحترم سيادتها، ويمنح شعبها، لا الوسطاء، حق اختيار مستقبل ليبيا.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»