Atwasat

وجوه الرجال الكئيبة ووجه مسعد بولس

سعاد الوحيدي 1 يوم
سعاد الوحيدي

«أتهم…»، وأستعير هذا من أميل زولا، تجاه كثير مُنكر، تجاه كثير صمت مريب… وكثير تخاذل، أمام وجع البلد، وسوء الحال والمآل، والتشتت، وانقطاع الوصل بين الأهل والأحباب، وقد «تَبَزَّلَ ما بَينَ العَشيرَةِ بِالدَمِ»….. وغياب الدال على الطريق، غير أعداد ما فتئت تتزايد من ذكور متصارعة على مراسيم السلطات، وقد تعددت أشكالها، معصوبة العيون عن وجع ليبيا (وليبيا اسم مؤنث).

وإني أعترض على ألا نعترض على استمرار ذلك. على تسونامي مبادرات لم تهدأ، يتراكم ترابها على ركام أمثالها، رُسمت لحلحلة المختنق الليبي صعب المراس، ودون جدوى. وسأكتفي هنا، بالتوقف أمام واحدة لا غير، أخذت تنال، على حين غرة، اهتمامًا يليق بنهايات كأس العالم (محليًا وإقليميًا ودوليًا)، وفي ذلكم العجب.

هذه التي تبدو لي، ودون كثير عناء، عرجاء، وعوراء، وبنصف كيان، يتم ربطها باسم وصور وخطابات السيد مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية.

المبادرة التي وصفتها الدبلوماسية البريطانية بأنها تنسج لتفاهمات ومصالح «النخب الحاكمة» على حساب بناء شرعية سياسية جديدة عبر صناديق الاقتراع. (محل انتظار ورجاء وأمل من طرف كل ليبية وليبي على وجه الأرض).

والتي ترتسم خطوطها العريضة باتجاه الجمع بين طرفين (لا غير)، سيذهبان، إن نجح الأمر، للتوقيع على متنها في واشنطن؛ وهذا وفق ما ورد على لسان السيد بولس ذاته، ودون أية نية مبطنة من طرفي.

غير أن ممثلي كلا الطرفين، كما تعكسه الصور الرسمية (والفيديوهات والأفلام والأخبار) المتداولة، هم حزمة من الذكور، كانوا ولا يزالون شركاء بامتياز في تجذر واقع العجز عن نجدة ليبيا. بل هذان الطرفان بالذات -على الرغم من كونهما رفاق تجربة نوعية تجاوزت إشكاليات الصراع بين الشرق والغرب الليبي، وصنعت أرضية تلاقي استثنائية الامتيازات، من خلال شراكتهما في أركنو- قد عجزا، على الرغم من فضيلة وقف الحرب بين الإخوة الأعداء، عن تحقيق فضيلة توحيد شقي الوطن، الممزق بخطوط حمراء ملتهبة وعاصفة الهدوء، فرختها عديد معاهدات هشة لوقف إطلاق النار.

وأعترض، وأنا على يقين بأن نساء ليبيا، وقد عجز الرجال، من سينهي هذا الانقسام والتشتت، وانكسار ظهر البلد، عن غياب وتغييب المرأة عن هذا المشهد العجيب -كما في غيره من مشاهد ترسيخ السلطة- والذي يقترح، فيما يفترض، الحل الأكيد، والدولة الموحدة، والطريق نحو ترسيم الوجه الجديد للسلطة المرتقبة.

وأقول، وهذا في «ملتي واعتقادي»، ودون صفة مُضافة، أو أي بعد تعبوي، إنه حل أعرج، مهزوز مهتز، ولد بنصف جسد، وقد غابت عنه نساء ليبيا، الكلمة الأعلى… وإن هذا التغييب، والإهانة، والاستهانة بنساء البلد، هو في ذاته تأسيس مقلق وبشع لحلول عبثية موسومة بالخديعة… وبمصير من الفشل.

ليبيا اسم مؤنث
إن ما يبقى من أمل وسط هذا اليأس المتعاظم، هو الثقة بأن نساء ليبيا، وإن أنكر الرجال، في هذه الساعات القاسية من تاريخنا، من سيحمي، ويحمي حتى الآن، وحدة الوطن، ويرعى الراية. وإنهن من سيصنع الحل، ويقود ليبيا إلى الخلاص. وسأكتفي هنا، كعنوان صدق لما أذهب إليه، باستعارة ما كتبه، في إحدى المرات، رجل غير عربي، كنت قد حفرته في ذاكرتي كوشم بديع، وأنا أشدد مرة أخرى (وبقوة)، على خلو نيتي، في هذا الاتجاه، من كل بعد تعبوي، عقائدي، أو نسوي، مكتفيًا بمتعة الاستناد إلى ما تضمنه ذلك النص من اعتراف «ذكوري» مبهر؛ بأن أمة محمد، عليه صلوات الله، قد ولدت في حضن امرأة.

يقول المبشر الكندي السابق غاري ميلر (وهذا اسمه على جواز السفر قبل أن يغيره إلى عبدالإله عمر، بعد اعتناقه الإسلام): «يصعب العثور على من يقول: لقد كنت مرعوبًا إلى درجة أني أسرعت إلى زوجتي، محمد فعل ذلك يوم أن جاءه جبريل، لا بد أنها كانت امرأة استثنائية».

عن خديجة بنت خويلد (أم المؤمنين) يتحدث هذا الرجل الكندي، وعن شجاعة محمد، نبي الأمة، وهو يعترف بأنه في حضن امرأة قد تحقق له الوعي بالرسالة.

سيعقب ذلك كثير نكران منذ ذاك الحين، وحتى تكسر فحولة رجالات الأمة تحت حوافر خيول المغول، وسقوط عاصمة الخلافة الإسلامية، بغداد، كما لم تسقط مدينة في براثن فاجعة من قبل. الأمر الذي كان يؤذن بانتهاء حضارة، لصالح أخرى وفق منطق التاريخ. وكيف أن المرأة، وليس الرجل، من تمكنت من قلب الموازين، ودخل، بفضلها، الغالب دين المغلوب. وتحول المغول إلى جزء من الأمة التي حاولوا تدميرها، بل هم من نقل مجدها إلى أصقاع الأرض، كحضارة مستمرة انبعثت من رمادها المسكون بروح النساء.

لن يجادل أحد في ذلك، لكنهم يتجاهلونه، هنا وهناك... وهو ما يرعبني اليوم في ليبيا، والتي أطلقت شرارة عهدها الجديد مواجهات النساء لنظام متجبر، اختفت أمامه شجاعة الرجال. حيث صارت الأمور تنحو لطمس هذا الدور التاريخي للنساء، وللقفز على جراح، وصراخ، واستغاثات صرخت في مطلع الثورة: (وامعتصماه)، وظلت تنتظر… دون أن يسأل كل هؤلاء المنظرين للحلول عن كل هذا؟ ودون أن تدرج صحائفهم أي ملامح لانتصار ممكن لانتظاراتهن… كما غاب كل ذلك عن هذا البرنامج -محل تحليلنا- الذي أُقصيت عنه، وأُستبعد حضورهن عن كل أحداثه. «وعن كل الصور»، … وعن هذه التي يظهر فيها الرجال مع مسعد بولس.

لقد استحوذ هؤلاء على المشهد العام… على كامل مساحة الأخبار، حيث لا تبرز غير صورهم الكئيبة، المشوهة بالنقص، والبؤس… وحيث لا نحتاج معها إلى قرار محكمة مدنية أو عسكرية لمعرفة إنهم مغتصبو المشهد، للحدث، متسلقون، بمظلمة تاريخية، لأسوار شاهقة جعلوها سدًا في طريق النساء.

وأضيف، وأنا أختم (وذلك على سبيل المزاح)، بأن البعض الذي ينتظر الذهاب لواشنطن ساعة المباركة الختامية، سوف يتفاجأ بوقوف الجميلة ميلانيا إلى جوار الرجل الذي قد يبارك مسعاهم نحو السلطة. ومن باب المزاح أيضًا أضيف بأنها قد تسألهم: هل لا يوجد في ليبيا نساء؟
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»