Atwasat

من الثقافة الجاهلة إلى الثقافة العالمة

عمر الكدي 4 أيام
عمر الكدي

على الرغم من أن الثقافة العربية انتقلت من الشفاهي إلى المكتوب منذ عصر التدوين في القرن الثاني الهجري، فإن المنطقة عادت إلى الثقافة الشفوية في عصر الانحطاط، فمثلا في ليبيا لن نجد أثرا مكتوبا إلا مع ابن غلبون، المتوفى عام 1737، في كتابه «التذكار فيمن ملك طرابلس وما كان بها من أخبار»، وسبب تأيف الكتاب هو شرح قصيدة أحمد بن عبد الدائم الأنصاري، التي رد بها على هجاء الرحالة المغربي محمد العبدري، بعد خلاف حدث بين العبدري وقاضي طرابلس أبي محمد بن عبد الله بن عبد السيد، التي قال فيها: «ثم وصلنا إلى مدينة طرابلس، وهي للجهل مأتم، وما للعلم بها غرس.

أقفرت ظاهرا وباطنا، تلمع لقاصدها لمعان البرق الخلب، وتريه الظاهر مشرقا والباطن قد قطب. اكتنفها البحر والقفر، لا ترى شجرا ولا ثمرا، ولا تحوي في أرجائها حوضا ولا نهرا.. هي أفقر من جوف حمار، وأهلها سواسية كأسنان الحمار».

كما كتب الرحالة الحسن الوزان ما يؤيد شهادة العبدري، بينما كتب رحالة آخرون بشكل إيجابي عن طرابلس. ولكن المهم أن نشكر العبدري، لأنه دفع ابن غلبون إلى أن يكتب كتابه الذي اعتمد عليه كل من جاء بعده ليكتب عن تاريخ طرابلس، وعلى رأسهم أحمد النائب الأنصاري في كتابه «المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب»، و«نفحات النسرين والريحان فيمن كان في طرابلس من أعيان».

والنائب، الذي ولد عام 1848، عين عميدا لبلدية طرابلس خمس سنوات، وعلى كتابه وعلى كتاب ابن غلبون اعتمد القنصل الفرنسي شارل فيرو في كتابة كتابه «الحوليات الليبية». غير ذلك يصعب العثور على آثار مكتوبة تخص ليبيا باستثناء ما كتبه الرحالة أو الأجانب الذين أقاموا في ليبيا، مثل كتاب «عشر سنوات في بلاط طرابلس» لميس توللي، شقيقة القنصل الإنجليزي في طرابلس، التي أقامت بالمدينة بين عامي 1783 و1793، أو يوميات الطبيب الأمريكي جونثان كودي، الذي أُسر مع طاقم البارجة «فيلادلفيا» عام 1803.

غير ذلك من الصعب العثور إلا على الروايات الشفوية التي تنتقل من جيل إلى جيل دون تمحيص أو دراسة، ومعظم تاريخ بلادنا عرفناه من خلال الآثار التي تركها الأقوام الذين أقاموا في ليبيا، مثل رسوم كهوف اكاكوس وتاسيلي، وآثار جرمة وقرزة، والآثار اليونانية والرومانية، وما أضافه الإسبان لقلعة السرايا الحمراء، والأسواق والجوامع التي بناها الباشوات الأتراك، ولكن عندما تسأل جدك وأباك عن التاريخ، يجيبانك: كان ذلك في عام الشر، وعام الرومي، وعام الزينقو، وعام الفارينة، وعام الهجة، أي العودة إلى الثقافة الجاهلة.

كلمة «الجاهلية» التي وصم بها المسلمون عهد ما قبل الإسلام لا تعني الجهل المطبق، ولكنها تضع حدا فاصلا بين الشفوي والمكتوب، فالحضارة العربية الإسلامية انطلقت من كتابة القرآن وتدوينه وجمعه في مصحف في عهد عثمان بن عفان، وقبل ذلك لم تكن هناك إلا المرويات الشفوية التي شملت جزءا من تاريخ القبائل العربية والمعلقات الشعرية، ولكن كل هذا التاريخ، بما في ذلك السيرة والأحاديث النبوية التي دونت في القرن الثاني الهجري، والتي لا تزال تشكل مشكلة في تصنيفها ومعرفة الصحيح منها، والتي يعارض الفقهاء الاقتراب منها، للمؤرخين المعاصرين رأي آخر في صحة كل ما دون في عصر التدوين، بما في ذلك الأحاديث النبوية والسيرة النبوية، التي ما لم تسلط عليها الأضواء لن يحدث تنوير في ثقافتنا.

عندما بدأت الكتابة عن الشخصية الليبية واجهتني هذه المشكلة، فهناك مواضيع سمعتها شفويا ممن سبقني، وكان علي التفكير فيها طويلا، لأحذف منها ما هو غير منطقي، وأقارن هذه المرويات بالثقافة العالمة التي تركها المؤرخون، ولكن أخيرا قررت أن أنقلها كما سمعتها، وإن احتج عليها البعض، وهو أمر لا يمكن تجنبه، والذي شجعني على ذلك هو ما كتبه الأوروبيون عن تاريخهم، فلم يتركوا شاردة أو واردة إلا وأشبعوها بحثا، بما في ذلك المواضيع المحرجة، فالتنوير الأوروبي بدأ بكشف الجروح النرجسية الثلاثة، جرح كوبرنيكوس وجاليلو حول موقع الأرض من الشمس، وجرح دارون حول أصل الإنسان، وجرح سيغموند فرويد حول العقد النفسية التي تحرك الإنسان، ولكن للأسف لا نزال أبعد ما يكون عن هذا الفهم الضروري والمهم.

ويأتي الاعتراض ليس من العوام وإنما من خيرة المثقفين، الذين يرون أن الكتابة حول هذه المواضيع يثير الرأي العام، ولا أدري أي رأي عام يقصدون في بلد ترك مستباحا للرعاع والتافهين وسقط المتاع، وفي الوقت نفسه أدرك قدرة هؤلاء التافهين على إحداث الضرر بمن يصدح برأيه، ولكن للأسف تخليص بلادنا وشعبنا من هذه الشراذم يحتاج إلى قدر كبير من الشجاعة والإقدام، فالذين قادوا أوروبا من عصر ظلامها وانحطاطها دفعوا حياتهم ثمنا لهذا الانتقال من الظلمات إلى النور.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»