حين بدأت أوروبا تخرج من ظلمات العصور الوسطى، لم يكن التحوُّل الذي شهدته مجرد انتقال سياسي أو اقتصادي، وإنما كان، قبل كل شيء، انقلاباً في طريقة فهم «الإنسان» لذاته والعالم. فقد طُرحت الأسئلة الكبرى حول العقل والوجود والحقيقة، وأصبح الإنسان، لا الموروث، هو مركز التفكير الفلسفي.. وفي هذا السياق المعرفي، دشن الفيلسوف الفرنسي «رينيه ديكارت» مشروع الحداثة العقلانية بمقولته الشهيرة: «أنا أفكِّر، إذن أنا موجود»، ليجعل من العقل نقطة الانطلاق في بناء المعرفة، وليفتح الباب أمام عصر جديد لم تعُد الحقيقة فيه تُستمد من السُّلطة أو التقليد، بل من البرهان والبحث والنقد.
لم يكن «ديكارت» وحده من خاض في هذا المسار، فقد جاء الفيلسوف الإنجليزي «جون لوك» ليمنح العقل بُعداً آخر، معتبراً أن المعرفة لا تولد مكتملة في النفس، وإنما تُبنى بالتجربة والملاحظة القريبة، لتنشأ بذلك إحدى أهم المناظرات الفلسفية في التاريخ الحديث، لا حول قيمة العقل وإدراكاته فحسب، وإنما حول الطريق الذي يسلكه العقل للوصول إلى الحقيقة بين منحيين مهمين: «الاستنباط العقلي» و«الاستقراء التجريبي».. ومن رحم هذا الجدل العميق تشكلت اللبنات الأولى للفكر الحديث، الذي قاد لاحقاً الثورة العلمية، ثم عصر النهضة والتنوير.. غير أن التحوُّلات الفكرية الكبرى في التاريخ لم تصنعها الفلسفة وحدها، فكثيراً ما يسبق الأدب الفلسفة في التقاط روح العصر. وهذا ما فعله الروائي الإسباني «ميغيل دي سرفانتس» عندما نشر الجزء الأول من روايته الخالدة «دون كيشوت» عام 1605، قبل أن يكتمل المشروع الفلسفي للتنوير بعقود. فقد التقط بعين الفنّان ما كان يعتمل في المجتمع الأوروبي من صراع بين عالم قديم لا يزال يعيش على أساطير الفرسان والسحر والبطولات الوهمية، وعالم جديد بدأ يحتكم إلى الواقع والعقل والتجربة!
لم يكن «دون كيشوت» مجرد رجل فقد اتزانه العقلي بسبب إفراطه في قراءة روايات الفروسية، كما يبدو للقارئ لأول وهلة، وإنما كان رمزاً لإنسان يرفض الاعتراف بأن الزمن قد تغيّر.. وقد خرج يبحث عن العمالقة الذين قرأ عنهم في الكتب، فلم يجد سوى طواحين الهواء، ومع ذلك أصر على أن الطواحين ليست إلا عمالقة متنكرين. ولم يكن الخلل في بصره، بل في المنظور الذي يرى به العالم، إذ كان يقرأ الواقع بعين الماضي، ويصر على إخضاع الحقيقة لما يؤمن به، لا لما تكشفه الوقائع القريبة.. وهنا تكمن عبقرية «سرفانتس»، إذ لم يكتب رواية ساخرة عن فارس حالم، وإنما كتب نقداً عميقاً للعقل حين يستسلم للأوهام، وللثقافة حين تنفصل عن الواقع. ولقد جعل من بطله مرآة تكشف مأساة الإنسان المعاصر الذي يعيش أسير تصوُّرات لم تعُد صالحة لفهم العالم الجديد وتناقضاته، ولذلك عدّ كثير من النقاد هذه الرواية الميلاد الحقيقي للرواية الحديثة، لأن الإنسان فيها لم يعُد بطلاً مثالياً، بل أصبح كائناً معقداً، يخطئ كما يصيب، ويحلم كما يصطدم بالواقع!
منذ ذلك الحين، لم تعُد «طواحين الهواء» مجرد مشهد روائي، بل تحوّلت مع الزمن إلى استعارة عالمية لكل معركة يخوضها الإنسان ضد أوهامه.. فكم من أفراد استنزفوا أعمارهم في مطاردة خصوم لا وجود لهم إلا في مخيلاتهم، وكم من أمم خاضت معارك وهمية ضد أعداء متخيلين، بينما كانت أسباب تخلفها الحقيقية كامنة في فساد مؤسساتها، أو جمود نظمها التعليمية، أو عجزها عن إنتاج المعرفة والبرامج الثقافية. ولهذا دخل مصطلح «الدونكيشوتية» إلى الفكر السياسي والاجتماعي كونه أصبح وصفاً لمن يقاتل أوهاماً ويتوهّم انتصارات لا تُنجز فعلاً وتغيّر شيئاً في الواقع.
لم يكن تأثير رواية «سرفانتس» أدبياً فحسب، بل امتد إلى الفلسفة ذاتها. فقد رأى «هيغل» أحد أهم مؤسسي المثالية الألمانية في رواية «دون كيشوت» تجسيداً للصراع بين المثال والواقع، بينما اعتبرها الفيلسوف الإسباني «خوسيه أورتيغا» مرآة لأزمة الإنسان الحديث، بينما اعتبرها الروائي الفرنسي «ميلان كونديرا» البداية الحقيقية لتاريخ الرواية الأوروبية، لأنها نقلت الأدب من تمجيد البطولة إلى استكشاف الإنسان بكل تناقضاته وضعفه وهشاشته!
في «دون كيشوت» لم يكن سرفانتس يحتفي بانتصار العقل على الخيال، كما قد يتبادر إلى الذهن، بل كان يدعو إلى تحرير الخيال من الوهم، والعقل من الغرور. فالخيال هو الذي يصنع الإبداع، لكنه يتحول إلى كارثة حين ينفصل عن الواقع، كما أن العقل يفقد قيمته حين يتوهم امتلاك الحقيقة المُطلقة.. ولعل هذا هو السر في خلود الرواية، فهي لا تسخر من الأحلام مهما بلغت، وإنما تسخر من الإصرار على تجاهل حقائق الزمن ووقائعه التاريخية.
بعد كل هذا الزمن من المثالية والواقعية، ليس من الصعب أن نعثر اليوم على «دون كيشوت» في أكثر من مكان في العالم. فثمة مجتمعات لا تزال تقاتل طواحينها الخاصة كما في بعض بلداننا العربية، تستحضر أمجاداً بعيدة لتبرير عجز حاضرها، وتخوض معارك أيديولوجية استنفدت صلاحيتها منذ عقود، بينما يتقدم العالم بمنطق العِلم والاقتصاد والتكنولوجيا. وفي عالمنا العربي، للأسف، ثمة نُخب ما زالت تفسر الواقع بالنصوص القديمة فتعتقد أن تغيير الأسماء يغني عن إصلاح المؤسسات، وأن الخطابات الحماسية يمكن أن تحل محل التخطيط والإنتاج والإدارة!
إن أخطر ما تكشفه أسطورة «فارس الطواحين» ليس جنون رجل عاش قبل أربعة قرون، بل قابلية الإنسان، في كل عصر، لأن يتحوّل إلى «دون كيشوت» جديد كلما آثر أوهامه على حقائق الواقع.. لذلك فالأمم لا تنهض لأنها تمتلك تاريخاً مجيداً، وإنما لأنها تمتلك القدرة على نقد ذلك التاريخ، والتعلُّم منه، ثم تجاوزه نحو المستقبل. أما الذين يظلون يقاتلون طواحين الهواء في مواسم العبث، فلن يحصدوا سوى الغبار الذي تثيره أجنحتها، فيما تستمر عجلة التاريخ في الدوران بمشيئة العقل، غير عابئة بمن يصرّ على أن الوهم هو الحقيقة!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات