Atwasat

عدالة انتقالية

مفتاح. العماري 2 يوم
مفتاح. العماري

بصدد تعويض ضحايا الحرب، وارتباطه بملف العدالة الانتقالية في ليبيا، والذي كان يُؤمل الشروع في تطبيقه بدءاً من السنة التالية من إسقاط نظام القذافي. لا سيما أن المشرّعَ الليبي وضع الصيغَ القانونية، الكفيلة بجبر الضرر لكل من تأذى، سواء في معارك التحرير، أو من زُجّ بهم قسراً وإكراها في حرب تشاد، وغيرها من المعارك المجانية في عهد النظام السابق. مع الإشارة: أن بعض من شاركوا في القتال كانوا أطفالا قُصَّرَ؛ اخُذوا عنوةً، دون استشارة ذويهم.

يسعى قانونُ العدالة الانتقالية (في ليبيا) بالدرجة الأولى إلى ردّ الاعتبار لكل المظلومين والمستضعفين؛ بمن فيهم ضحايا الحروب. كضرب من ترسيخ الهدف الأسمى: «المصالحة الوطنية»، تمهيداً لإرساء دعائم دولة الدستور.

حيث كان من المفترض تفعيله على أرض الواقع، فيما لو توفرت شروط الاستقرار، مع القليل من الحكمة، عبر برامج وآليات عمل، كتشكيل لجان تقصي الحقيقة، وإنشاء صندوق ضحايا الحرب، وغيرها من الإجراءات؛ استئناساً بتجارب مماثلة خاضتها عدة شعوب. لكن الحماسة وحدها لا تكفي، ما لم تتوافر العزيمة والتصورات والخطط الجادة، التي بمقدورها التغلب على مشيئة الفوضى والفتن، والصراع على السلطة، وفقدان الاستقرار الأمني والسياسي.

لهذا تعطل برنامجُ ملف العدالة الانتقالية في ليبيا. قد يُعزى الأمر لعجز في إنفاذ القانون ولوائحه، علاوة على هشاشة الدولة وانقسامها، إلى جانب ضعف الوازع المجتمعي، ومن ثم عدم جدية الانشغال بهكذا قضايا مصيرية. حيث فشلت الدولةُ الليبيةُ إزاء اتخاذ أية مبادرة عملية لتعويض ضحايا حرب تشاد، سواء لذوي أولئك الذين لا قبور لهم؛ وقد ذهبوا هباء، دونما جنازات، حتى أن رفاتهم لا يزال إلى يومنا، رهناً بتصاريف العراء. بينما من احتوتهم قوائمُ المفقودين، تلاشوا تماماً، بلا أي أثرٍ سوى النسيان، أي من دون علامة رمزية، تشير إليهم كتخليد لذكراهم.

كذلك الذين عادوا بهيئة أشباح عقب مكابدة عسيرة لمذلة الأسر، ومَا مِنْ شيء يميزهم، سوى كدمات وأورام نفسية، يتعذر علاجها. أما مَن نجوا بجلودهم، ولمْ تنج عقولهم؛ فتلك حكاية أخرى تنتمي لغرائب الزمن الوضيع. أشير هنا إلى من عادوا خائبين، بذاكرة معذبة. ثم ما من شيء يُنتظر غير الوهم، وغبن الفاقة، والنكران، وسُوء الطالع.

حتى إن مؤسستهم العسكرية لمْ تخصّهم ببرامج تأهيل، تؤمّنُ لهم حدّاً أدنى من استئناف ما تبقى من رحلة العمر، بأقل خسائر معنوية. كذلك حيال الجنود الأطفال، أعني تلامذة المدارس الذين اقتيدوا قسراً خارج فصول الدرس، ليُزج بهم في أتون النار. إلا يُعد ذلك من أقسى معدلات انتهاك الحقوق الإنسانية جرماً وبشاعة.

صحيح أن تلك الحرب المقيتة التي خاضها جيشُنا الليبي في تشاد، انتهت آخر معاركها الخاسرة منذ قرابة أربعة عقود؛ وقد عاد ما تبقى من وحداتنا المقاتلة إلى الثكنات. لكن يبدو أن لعنتها لا تعترف بشروط وقف إطلاق النار، وسيظلّ مسلسلُ الهزائم، لا خاتمة لمطافه المحزن؛ طالما لا إنصاف بعدُ، يكفلُ حقَّ الضحايا في جبر ما حاقَ بهم من ضيم. وأن الخسائر، لا ريب ستتضاعف يوماً بعد يوم. بحيث لا تكفّ ذاكرتُها عن النزيف. ما دام هناك مستضعفون لم تشملهم عدالةُ القانون؛ كرد اعتبار لكرامتهم وكيانهم؛ بعد أن سُخّروا كعبيدٍ، لا جنودا في جيش وطنيّ.

ما زالت مطالب ضحايا حرب تشاد تعبّر عن نفسها بين يوم وآخر عبر وقفات احتجاجية؛ وتأسيس عديد المنظمات والجمعيات الأهلية، المعنية برفع شكاواهم لأولي الأمر. وأصبح لنشطائها صفحات خاصة بهم في مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي.

إذْ يُعد ملفُ ضحايا حرب تشاد، من بين أصعب الاختبارات لبراءة ثورة 17 فبراير ومبادئها ومثلها السامية. جريمة معلقة على مدى أربعين عاما؛ سيترتب عن إغفال حقوق ضحاياها المزيد من مشاعر الغبن والتبخيس والضغينة؛ عوض العدل والإنصاف والتسامح. ناهيك عن الإخلال بأبسط المبادئ التي من أجلها قامت الثورة.

إن إنصاف فئة متضررة وإهمال أخرى يعتبر ضرباً من الإجحاف غير المسوغ. وشرخاً فادحاً يعتور برنامج العدالة الانتقالية التي من أولى مبادئها، جبر ضرر الضحايا دون النظر إلى اعتبارات أيديولوجية، بحيث كان من العدل أن يحظى ملف ضحايا الحروب بالعناية نفسها التي خُصّ بها سجناء «أبوسليم». وبذا قد تبقى التشريعات مجرد حبر على ورق، ما لمْ تخضع لمتابعة قضائية صارمة، وآليات عمل نزيهة تحفظ هيبة القانون من سلوكيات التسويف والإرجاء.

لكأن تكريس الفوضى، وتمديد أزمات الوطن غاية قصوى للمتشبثين بمناصبهم وامتيازاتهم، منذ عقد ونيف. بحيث أسفرت المحصلة عن تعطّل مسيرة العدالة الانتقالية، التي لم تجد تشريعاتها من يوليها قدراً من العناية التي تدرجها ضمن جملة من التدابير، لرسم خارطة طريق باتجاه دولة مدنية، قائمة على إرساء القانون، لا الفوضى.

والآن، سيتعين على الدولة الليبية أكثر من أي وقت مضى، ضرورة مراجعة أرشيف الجرائم التي ارتكبت ضد أبنائها، في حقبة النظام السابق؛ سعياً منها لتصفية حسابها مع الماضي، وتنظيف سجلاتها من تلك الانتهاكات التي يندى لها الجبين. حتى يتسنى لها الانتقال بخطى واثقة إلى مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والمجتمعي؛ يسودها العدل والطمأنينة والرفاه، دون أحقاد وضغائن.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»