Atwasat

ذلك اللقاء المبكر

أمين مازن 3 أيام
أمين مازن

استطاعت فقرة «أيامنا» التي تذيعها، ظهر كل يوم، الفضائية المشهود لها بالحرفية ومُتقن الاصطفاف، أن تذكرنا باليوم السادس من مايو 1970، ذلك اليوم الذي شهد أول لقاء علني جرى بين قيادة سبتمبر 69 ومن حوتهم الساحة من المثقفين والنقابيين والأدباء والكتاب، وقد كان يومئذ منقولًا تلفزيونيًا.

فذكرت الفقرة المذكورة أول محاورة حصلت بين النقيب عمر المحيشي والكاتب الصادق النيهوم. أصر البعض على أن يرجعوا ما بدا في لهجة المحيشي من الحدة إلى الصفة الاعتبارية التي يتمتع بها كعضو بمجلس قيادة الثورة وارتدائه بدلته العسكرية، وليس لما يوحي به الكلام من حرص على الاحتكام إلى التفسير المادي للتاريخ القائم على دور الطبقات في تحديد المواقف الناتجة بالضرورة عن الوضع الطبقي.

فلم يقبل المحيشي من النيهوم تشبيهه للواقع الليبي على هيئة بقرة حلوب يحرسها راعٍ أجير، وعلى الغياب فليحسن توزيع الحليب، فوصف المحيشي النيهوم بالمثقف غير الثوري، لأن المطلوب، بحسب المحيشي، تحديد الطبقة التي ستستفيد من الثورة.

وقد لحق الحوار، أو سبقه، رأي قال به المثقف اللامع علي أوريث بإمكانية المزاوجة بين العروبة والإسلام. لم يُخفِ المحيشي رفضه له بكل القوة، لأن العروبة، كما رآها، نهج، والإسلام نهج مختلف، لأن رؤية الإسلام ترى الأواصر مع الباكستاني قابلة للوحدة، في حين ترى الفكرة القومية إمكانية الوحدة مع المسيحي اللبناني أو السوري أو الأردني.

فسكت أوريث يومئذ على مضض، واتخذ من تعليقه في جريدة «البلاغ» التي كان يملكها سبيلًا للثأر من المحيشي من خلال الإشادة السخية بالعقيد القذافي وما بدا في قوله من الجودة، تلك التي ما كانت لتأتي لولا حدة المحيشي، والتي تعذر الرد عليها.

أذكر منها ما كتبته تحت عنوان «حصاد ندوة الفكر الثوري»، مما نشر في العدد الأول والأخير من مجلة «الهدف» التي أصدرها الكاتب جمعة نصر، مغيرًا فيها «الهدف» من جريدة إلى مجلة، ولم يتمكن من الاستمرار، وكذلك ما أثبته في الجزء الثالث من «حديث عن بعض وقائع تلك الندوة»، وما رافقها من أحداث، أشهرها انقطاع الضوء وما سيطر على عديد الحذرين من أن يكون الانقطاع مقدمة لعمل قد يكون للتخلص من بعض الموجودين، وأن التخلص من البعض قد يدفع إلى التضحية بالكل.

المهم أن ما ذُكر كان أقصى ما يمكن إثباته في فترة لم يكن أمام النظام من همٍّ أكثر من احتكار الشهرة والحرص على إخفاء أي دور يحفظ للناس جهدهم، وكان شعار الحد من النجومية إنكار كل إيجابية للآخرين.

وعندما أعود إلى بعض أحداث هذه الندوة انطلاقًا مما جاء في فقرة «أيامنا» التي أشرت إليها في مطلع هذه السطور، لا أهدف إلى إخفاء ما قد يكون انتاب بعض ممارسات المحيشي من الأخطاء، فلا يوجد من عمل دون أن يرتكب الكثير من الأخطاء، إلا أن ما دفعه المحيشي من أثمان طالته شخصيًا وأسرته أيضًا قد يدعو إلى التماس شيء من العذر عن القليل، وحتى الكثير مما قد يكون ارتكب.

وأيامنا دائمًا ماضية وآتية، وليت كل من يشاهد يضيف، مؤيدًا أو مدققًا، والمهم ألا يكون سلبيًا تجاه ما يرى أو يسمع، كمثل ذلك اللقاء المبكر.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»