وفق آخر تعداد عام للسكان والمساكن في ليبيا للعام 2006، بلغ عدد السكان نحو 5.3 مليون نسمة. وقد أظهر التعداد ذاته أن ما يقارب ثلث السكان هم دون سن الخامسة عشر؛ أي من فئة القُصَّر بالمنطق القانوني، أو الأطفال وفق التوصيف الاجتماعي. ولم يُجرَ أي تعداد سكاني بعد ذلك العام، إذ تعذر إجراء التعداد الذي كان مستهدفًا العام 2011 بسبب الأحداث والتغيرات التي شهدتها البلاد. وعليه، لا تتوفر أرقام رسمية مؤكدة يمكن الاعتماد عليها سوى بيانات العام 2006، والتي، وإن باتت قديمة، فإننا نستعيض عنها بالتقديرات المبنية على السوابق والتاريخ الديموغرافي لنقترب من الواقع في غياب الأرقام المؤكدة.
وفق ذلك المنطق العلمي الدقيق، وبالأخذ في الاعتبار أن معدل النمو السكاني السنوي يتراوح بين 1.8% و2%، يمكننا القول إن عدد سكان ليبيا اليوم قد ارتفع بأكثر من مليون ونصف المليون نسمة. وتلك الزيادة شملت، بالطبع، الفئة العمرية المذكورة؛ أي من هم دون سن الخامسة عشر، وهي فئة القُصَّر قانونًا والأطفال اجتماعيًا. فهؤلاء الذين كانوا أطفالًا عشية العام 2011 صاروا اليوم شبابًا على مقاعد الجامعات أو في سوق العمل أو حتى في ديار الهجرة، فيما يتلاحق معهم من ولدوا في غمرته أو بعده بقليل؛ ليشكلوا جميعًا زهرة العمر والقوة الحية في ليبيا المعاصرة. أي أنهم مستقبل البلد إذا ما نظرنا إليهم من منظور مستقبلي، أي بعد عقدين مثلًا.
وبعيدًا عن لغة الأرقام وتعقيداتها، فإن المفارقة المؤلمة تكمن في أن قطاعًا واسعًا من هذا الجيل لم يعِ من ليبيا إلا مشاهد الحرب والخراب والتقاتل السياسي. إنه جيلٌ يستوعب لغة التكنولوجيا والتقنية الحديثة بأضعاف سرعة فهمه للتعقيدات القبلية والجهوية السائدة؛ كتلةٌ شبابية تستشعر العبثية المطلقة للحروب التي دارت منذ العام 2011 وقتلت الآلاف، وتلك المرشحة للتجدد؛ حروبٌ بلا وازع ولا مبرر أخلاقي أو إنساني، تدور حتى داخل الأحياء والمدينة الواحدة، ويسبقها ويرافقها غيابٌ تامٌ للقانون، واستمرارٌ لإضعاف المؤسسات، وتجريفٌ للحد الأدنى من الأمن والاستقرار.
إننا نتحدث عن جزءٍ كبير من جيلٍ بالكاد يعرف الفن الليبي، ومنقطعٍ شبه نهائي عن الثقافة العربية عمومًا والليبية خصوصًا؛ فمناهج التعليم تخلو تقريبًا من أي دروس أو موضوعات تتناول كُتّاب ليبيا أو فنانيها من مطربين وملحنين وشعراء. بعض شباب اليوم لم يسمع بعد بطه حسين ولا البيروني، ناهيك عن الفرزدق أو حتى إبراهيم الكوني والصادق النيهوم. السواد الأعظم من هذا الجيل يبدو وكأنه فقد حس الفضول الذي يُفترض أن يَسِمه، وذلك بسبب ظروف حياته وطبيعة تكوينه؛ ولهذا لا تستغرب إن وُجد بينهم من لا يعرف الراحل محمد حسن، مع أنه وسم الفن الليبي بصوته وألحانه على مدى عقود متواصلة، ناهيك عن الراحل حسن عريبي الذي كان مدرسة ليبية فريدة في المالوف والموشحات.
شبانٌ كُثُر لا يعرفون حتى «الفونشة»، ولا يعلمون شيئًا عن التلفزيون المحلي قبل عقدين مثلًا؛ ذلك التلفزيون الذي -ورغم ملاحظات الأيديولوجيا وعيوبه القاتلة- كان محاطًا بضوابط اجتماعية تجعل منه شاشة أسرية تجتمع حولها العائلة دون توجس مما قد يخدش حياءها، في مجتمعٍ يضع الحشمة والآداب في قمة أولوياته داخل البيت قبل الفضاء العام. ولكنه، في المقابل، جيلٌ يستطيع وبسرعة فائقة تمييز صوت قذيفة الدبابة من صوت قذيفة «الآر بي جي»، وأزيز الرصاصة من طلقة المسدس أيًّا كان نوعه، ودوي القنبلة اليدوية من دوي الصاروخ، بل ويعرف أسماء الأسلحة وربما منشأها أيضًا.
هذا الاغتراب الوجداني انسحب كذلك لدى قطاع واسع منهم على الهوية الدينية والثقافية؛ فنحن أمام شريحة شبابية بالكاد ترى رابطًا بين تعاليم القرآن الكريم وممارساتها في الحياة اليومية، بينما تتمسك بمظاهر لتدين شكلي حادٍ أحيانًا يصل حد القداسة، رغم أنها في أغلبها مظاهر وافدة ومستوردة بالكامل ولا أساس لها في الوجدان ولا التراث الوطني. فمثلًا: بدلًا من الشاشة الوطنية الجامعة، يجد الشاب نفسه في مواجهة سيل جارف من القنوات الفضائية والمنصات الرقمية التي تدعي «ليبيتها»، بينما هي في الحقيقة أبواقٌ مُدارة ومُمولة من الخارج لخدمة أجندات مموليها، والتي لم تكن يومًا ليبيا أو مصلحة شعبها في قمة أولوياتها.
إن الخطورة الحقيقية تكمن في أننا إزاء جيلٍ لا تربطه بـ«ليبيا» رابطةٌ معرفية أو حسية وثيقة؛ فليبيا «القديمة» بواحة قيمها، وتضامنها الاجتماعي، ومعالمها الثقافية والإعلامية جرى تجريفها وتدمير معظم شواهدها، بينما بزغت ليبيا «الجديدة» مسخًا مشوهًا ومشتتًا بلا هوية ناظمة، بل إنها مقسمة ومنقسمة. لقد وُلد هؤلاء الشباب فيما يمكن وصفه بالهوية الفارغة من المحتوى القيمي؛ فلم يجدوا مدرسةً تُرسخ فيهم قيم المواطنة، ولا إعلامًا يبني وعيهم الجمعي، ولا دولةً تحميهم من الاستقطاب؛ فأصبحوا غرباء في وطنهم، يحملون جنسيته بالاسم، بينما وجدانهم صنيعةُ صدمات الحرب وإعلام الدعاية الموجهة. حتى التعليم الديني الذي كانت تفخر به ليبيا صار محل تجاذبٍ بل وتناطحِ تياراتٍ غريبة عن الإسلام الوسطي الذي طبع المجتمع الليبي لعقود متواصلة، وكان بوصلته الجامعة في مقاومة الغزو الإيطالي.
وزاد الطينَ بِلةً أن المنظومة التعليمية —التي يُفترض أن تُنشئ أسس الهوية الوطنية— متهالكة وتتسم بالرداءة وتخلف الأدوات، في ظل غياب شبه تام لدور الدولة في حماية العملية التعليمية أو تطويرها. ولم يكن «التعليم الخاص» —الذي تسلل ليسد الفراغ— إلا رافدًا لإكمال المأساة؛ إذ تحول في أغلبه إلى تجارة تُعنى بالمظاهر ومجموع الدرجات، وتفتقر لأدنى معايير التربية والتأهيل الفكري. أما المدارس التي توصف بأنها «دولية»، فهي في الحقيقة حالة اغتراب كاملة عن الواقع الليبي بأبعاده الثقافية والتاريخية. وهكذا كبر هؤلاء الشباب وهم ينقلون أميتهم المعرفية والتاريخية من مرحلة دراسية إلى أخرى، بلا زادٍ ثقافي يحميهم، ولا تعليمٍ ينمي لديهم حس النقد أو الانتماء.
ويمتد هذا الجهل ليشمل أبجديات الذاكرة الوطنية؛ فمعظمهم بالكاد يعرفون أسماء كبار المجاهدين، أو الشكل الإداري والرسمي للبلاد قبل عام 2011. وفي مقابل هذا الخواء التاريخي، يتشرب الجيل يوميًا واقعًا ملموسًا ومشحونًا بالانقسام؛ فهو يعلم يقينًا أن هناك اليوم «ليبيَّتين» تعيشان على الأرض ذاتها، تخضعان لحكومتين متنافرتين تُغذي كل منهما كراهية الأخرى. لقد نشأ هذا الجيل ليكبر على خطوط التماس، لا يعرف عن الوطن سوى أنه ساحة صراع وجغرافيا ممزقة، أصبحت فيها ثقافة الانقسام المعيار اليومي لحياته، ومحدداتها لا تتجاوز انقطاعات الكهرباء لساعات كاملة وطوابير السيولة والبنزين.
إن هذا المشهد المركب —لجيلٍ حُرم من هويته التاريخية والثقافية، وشَبَّ على أصوات المدافع وشاشات الفتنة، وتُرك لتعليمٍ خاوٍ ووطنٍ مقسم— ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو قنبلة موقوتة في جدار المستقبل الليبي. إن الاستمرار في تجاهل هذه الكتلة الحية وتركها للفراغ والاستقطاب يعني حكم إعدام على البلد، وإن كان مؤجل التنفيذ. من يملك الشجاعة والمسؤولية اليوم لإنقاذ هذا الجيل وإعادة بناء وجدانه الوطني قبل أن يبتلعه الطوفان بالكامل؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات