هناك فارق كبير بين إدارة الأزمة وحلها. ففي الأولى يبقى الصراع قائماً لكن تحت السيطرة، أما الثانية فتعني إزالة أسبابه، وبناء واقع جديد. وإذا أردنا وصف المشهد الليبي خلال السنوات العشر الأخيرة بكلمة واحدة، فلن نجد أدق من عبارة: إدارة أزمة مزمنة.
لم تكن المشكلة الأساسية في ليبيا غياب الحكومات، حيث تعاقبت الحكومات أكثر مما تعاقبت الفصول، ولم يكن النقص في المبادرات السياسية، إذ لم تتوقف المؤتمرات والحوارات والاتفاقات المحلية والدولية. المشكلة الحقيقية كانت، وما زالت، غياب الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة التي يحتكم إليها الجميع.
تحولت الشرعية في ليبيا إلى مفهوم نسبي؛ فلكل طرف شرعيته، ولكل مؤسسة تفسيرها الخاص للقانون، ولكل منطقة روايتها للأحداث. ومع مرور الوقت لم يعد السؤال: من يملك الشرعية؟ بل أصبح: من يستطيع فرضها؟ وهنا انتقل الصراع من ميدان السياسة إلى موازين القوة، ومن صندوق الاقتراع إلى حسابات السلاح والتحالفات.
ولأن الفراغ لا يدوم، فقد ملأته قوى متعددة. بعضها محلي، وبعضها إقليمي، وبعضها دولي. وكلما ضعفت المؤسسات الوطنية، ازداد وزن اللاعبين الخارجيين. وأصبح القرار الليبي، في كثير من المحطات، يتأثر بما يجري خارج الحدود أكثر مما يتأثر بما يريده الليبيون أنفسهم.
لم يكن التدخل الخارجي هو سبب الأزمة الوحيد، لكنه كان عاملاً مهماً في إطالة عمرها. فالدول لا تتحرك بدافع العواطف، بل وفق مصالحها. وكلما غابت الدولة القادرة على حماية سيادتها، أصبح المجال مفتوحاً أمام الآخرين للدفاع عن مصالحهم على الأرض الليبية.
في المقابل، لا يمكن إعفاء الطبقة السياسية الليبية من مسؤوليتها، حيث أثبتت السنوات الماضية أن كثيراً من القوى السياسية أصبحت جزءاً من الأزمة أكثر من كونها جزءاً من الحل. فالمرحلة الانتقالية، التي كان يفترض أن تكون قصيرة، تحولت إلى حالة دائمة، وأصبح الانتقال نفسه هدفاً بدلاً من أن يكون وسيلة للوصول إلى مؤسسات مستقرة.
لقد أُهدرت سنوات طويلة في الخلاف حول التفاصيل الإجرائية، بينما بقيت الأسئلة الكبرى بلا إجابة: ما شكل الدولة؟ وما حدود صلاحيات مؤسساتها؟ وكيف يمكن ضمان التداول السلمي للسلطة؟ وكيف تُدار الثروة الوطنية بعيداً عن منطق الغلبة والمحاصصة؟
اللافت أن غالبية المبادرات كانت تنطلق من فرضية خاطئة، وهي أن الاتفاق بين النخب السياسية يكفي لإنهاء الأزمة. لكن التجربة أثبتت أن أي تسوية لا تستند إلى مؤسسات قوية وقضاء مستقل وإدارة محترفة للدولة سرعان ما تتحول إلى هدنة مؤقتة، تنتظر أول اختبار حقيقي.
ولعل أخطر ما أنتجته السنوات العشر الماضية ليس الانقسام السياسي وحده، بل تآكل الثقة. تآكلت ثقة المواطن في السياسي، وفي المؤسسة، وفي الوعود المتكررة بإجراء الانتخابات، حتى أصبحت كل مبادرة جديدة تُقابل بقدر كبير من الشك أكثر من الأمل.
وعلى الرغم من ذلك، فإن اختزال المشهد الليبي في صورة قاتمة سيكون ظلماً للواقع. فليبيا ما زالت تمتلك عناصر قوة تفتقدها دول كثيرة: ثروة طبيعية كبيرة، وعددا سكانيا محدودا نسبيا، وموقعا استراتيجيا، ونسيجا اجتماعيا لا يزال يحتفظ بقدر من الترابط على الرغم من كل الانقسامات السياسية. هذه المقومات تجعل الأزمة الليبية قابلة للحل، لكنها لا تجعل حلها تلقائياً.
الخطأ الذي تكرر مراراً هو الاعتقاد بأن الانتخابات وحدها ستُنهي الأزمة. الانتخابات أداة ديمقراطية مهمة، لكنها لا تصنع دولة من تلقاء نفسها. فإذا جرت في ظل مؤسسات منقسمة، وقواعد دستورية متنازع عليها، وسلاح خارج سلطة الدولة، فإنها قد تتحول إلى محطة جديدة من الصراع بدلاً من أن تكون بداية للاستقرار.
إن جوهر الأزمة الليبية ليس في أسماء الأشخاص ولا في أسماء الحكومات، وإنما في غياب قواعد ثابتة تنظم العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالدول لا تستقر عندما يتفق السياسيون فقط، بل عندما تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص، ويصبح القانون أعلى من موازين القوة، ويشعر المواطن بأن حقوقه مصانة بغض النظر عمن يحكم.
لقد دفعت ليبيا ثمناً باهظاً لعقد كامل من الاستقطاب والانقسام. وليس من الحكمة أن يضيع عقد آخر في إعادة إنتاج المشهد نفسه بأسماء جديدة وشعارات مختلفة. فالتاريخ لا يقيس نجاح الأمم بعدد الاتفاقات التي توقعها، بل بقدرتها على تحويل تلك الاتفاقات إلى مؤسسات تعمل، وقوانين تُحترم، ودولة يشعر جميع مواطنيها بأنها تمثلهم دون استثناء.
قد تختلف الرؤى حول الطريق إلى الدولة، لكن من الصعب الاختلاف حول حقيقة واحدة: لا مستقبل لليبيا إذا بقي الولاء للمؤسسات مرهوناً بالأشخاص، وإذا استمرت السياسة ساحة لتصفية الحسابات بدلاً من أن تكون وسيلة لإدارة الاختلاف. فالدول تُبنى عندما ينتصر منطق الدولة على منطق الغلبة، وعندما تصبح المصلحة الوطنية هي السقف الذي لا يعلو عليه أي انتماء آخر.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات