Atwasat

العقل زينة

فرج أبوخروبة 7 ساعات
فرج أبوخروبة

في ليبيا، لم تعد الغرابة حدثًا استثنائيًا، بل أصبحت جزءًا من المشهد اليومي. حتى إن المثل الشعبي المعروف «العقل زينة» لم يعد مجرد عبارة نتداولها في أحاديثنا، بل أصبح وصفًا دقيقًا لحالة من العبث السياسي التي تتكرر بين الحين والآخر. فما إن يظن الناس أن الأمور هدأت قليلًا، حتى يخرج شخص جديد ببيان أو مؤتمر صحفي يعلن فيه نفسه رئيسًا لحكومة جديدة أو قائدًا لمرحلة إنقاذ، وكأن إدارة دولة تعيش أزمة معقدة أصبحت قرارًا شخصيًا يمكن لأي فرد أن يتخذه متى شاء.

هذا المشهد لم يعد يثير الاستغراب بقدر ما يثير الأسى. فليبيا ليست دولة بلا مؤسسات أو تاريخ، وليست أرضًا خالية من القوانين حتى يصبح الوصول إلى السلطة مجرد إعلان أو بيان يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي. ورغم كل ما مرت به البلاد من انقسام سياسي وصراعات أرهقت المواطن وأثقلت كاهله، فإن الحلول لا يمكن أن تأتي بهذه الطريقة التي تفتقد إلى أي سند دستوري أو قبول شعبي.

الجميع يدرك أن ليبيا تعيش منذ سنوات أزمة سياسية معقدة، وأن الانقسام بين المؤسسات ألقى بظلاله على حياة الناس في كل تفاصيلها.المواطن اليوم يفكر في الكهرباء، والسيولة، والدواء، والأمن، وفرص العمل، أكثر مما يفكر في أسماء الحكومات والمسميات الجديدة. ولذلك، فإن ظهور أشخاص يعلنون أنفسهم قادة أو رؤساء دون أي شرعية أو توافق، لا يضيف حلًا للأزمة، بل يزيد من حالة التشويش ويعمق فقدان الثقة في العمل السياسي.

المشكلة ليست في حق أي مواطن في التعبير عن رأيه أو تقديم مبادرة تخدم الوطن، فهذا حق مكفول للجميع. لكنْ هناك فرق كبير بين المبادرة الجادة القائمة على رؤية واضحة، وبين الاكتفاء بإصدار بيانات وشعارات توحي بأن الطريق إلى السلطة مجرد رغبة شخصية. إدارة الدول ليست مغامرة، ولا تعتمد على الأمنيات أو الخطابات الحماسية، وإنما تقوم على الشرعية، والمؤسسات، والتوافق، واحترام إرادة الناس.

وما يدعو للأسف أكثر أن بعض هؤلاء يتحدثون وكأنهم يمثلون الدولة الليبية بأكملها، ويوجهون رسائل إلى المجتمع الدولي ويطالبون بالاعتراف والدعم، في الوقت الذي لا يعرفهم فيه معظم أبناء وطنهم. مثل هذا السلوك لا يعكس قوة أو ثقة بالنفس، بل يعكس فهمًا غير واقعي لطبيعة العمل السياسي، الذي يقوم أولًا على بناء قاعدة من الثقة داخل الوطن قبل البحث عن أي اعتراف خارجه.

ولعل أخطر ما في الأمر أن كثرة هذه المشاهد جعلت المواطن يتعامل معها بسخرية. فما إن يظهر بيان جديد حتى تمتلئ صفحات التواصل الاجتماعي بالنكات والتعليقات الساخرة، ويتحول الحدث إلى مادة للتندر أكثر منه موضوعًا للنقاش الجاد. صحيح أن السخرية أصبحت وسيلة لتخفيف الضغوط التي يعيشها الناس، لكنها في الوقت نفسه تعكس حجم الإحباط الذي وصل إليه المجتمع، عندما يفقد ثقته في جدية ما يحدث حوله.

ليس من مصلحة ليبيا أن تتحول قضاياها المصيرية إلى مادة للضحك، لأن الأوطان لا تُبنى بالسخرية، كما أنها لا تُدار بالبيانات الفردية. الوطن يحتاج إلى رجال دولة يدركون حجم المسؤولية، ويضعون مصلحة البلاد فوق كل اعتبار، ويؤمنون بأن الحل لا يكون بإضافة جسم سياسي جديد أو حكومة جديدة، بل بإيجاد توافق حقيقي يعيد للمؤسسات وحدتها ويقود إلى انتخابات يختار فيها الشعب من يمثله بحرية.

لقد تعب الليبيون من كثرة المبادرات التي تبدأ بضجيج كبير وتنتهي دون أثر. وتعبوا أيضًا من كثرة الأسماء والمسميات التي لا تغير شيئًا في واقعهم اليومي. المواطن لا يبحث عن حكومة تحمل اسمًا جديدًا، بل يبحث عن خدمات، واستقرار، وعدالة، ودولة تحترم القانون وتطبق مبدأ تكافؤ الفرص على الجميع.

إن المسؤولية اليوم لا تقع على السياسيين وحدهم، بل تشمل أيضًا النخب، والإعلام، والمجتمع، لأن نشر الوعي ورفض العبث مسؤولية جماعية. فكلما ارتفع وعي الناس، أصبح من الصعب تسويق المشاريع الوهمية أو استغلال معاناتهم لتحقيق مكاسب شخصية.

والشعوب الواعية هي القادرة على التمييز بين المبادرات الصادقة التي تسعى إلى بناء الدولة، وبين المحاولات التي تبحث فقط عن الظهور وإثارة الجدل.

في النهاية، ستبقى ليبيا أكبر من الأشخاص، وأبقى من الحكومات الموقتة، وأقوى من كل المحاولات التي تتعامل مع مستقبلها بخفة أو ارتجال. والطريق إلى إنقاذ الوطن لا يبدأ من منصة مؤتمر صحفي، ولا من بيان يُقرأ أمام الكاميرات، بل يبدأ من احترام القانون، والاحتكام إلى إرادة الشعب، والعمل الجاد من أجل بناء مؤسسات قوية تحظى بثقة الجميع.

ويبقى المثل الشعبي صادقًا في كل زمان: العقل زينة. فهو ليس مجرد حكمة نتداولها في أحاديثنا، بل قاعدة يجب أن تحكم العمل العام أيضًا. فعندما يحضر العقل، تحضر المسؤولية، وعندما تغيب الحكمة، يكثر الضجيج ويقل الإنجاز.

وليبيا اليوم لا تحتاج إلى المزيد من الضجيج، بل تحتاج إلى رجال دولة يقدمون العقل على الشعارات، والمصلحة الوطنية على الطموحات الشخصية، حتى تستعيد البلاد استقرارها، وتستعيد ثقة مواطنيها في مستقبل أفضل.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»