Atwasat

العلم والفقه اتجاهان متعاكسان

عمر الكدي 19 ساعة
عمر الكدي

يتجه الفقيه إلى الماضي ليجيب عن الأسئلة المطروحة عليه. وكلما أوغل في الماضي كان ذلك جيدًا، بينما يتجه العالم إلى المستقبل ليجيب عن الأسئلة المطروحة عليه، مستعينًا بكل ما راكمه العلم طوال رحلته الطويلة. فليس عليه أن يكتشف النار، أو يعيد اختراع العجلة، وإنما عليه أن يجد حلًا لمشكلة تعاني منها البشرية أو المجتمع الذي يعيش فيه، باستثناء علم التاريخ، والأنثروبولوجيا، والآثار، وعلم الأديان، والفلكلور، حيث يعود العالم ليبحث عن حفريات وأدلة تدعم نظريته، أي يعود إلى الماضي البعيد.

في الفقه يعود الفقيه إلى أبي حنيفة النعمان، أو مالك بن أنس، أو إلى محمد بن إدريس الشافعي، أو إلى أحمد بن حنبل، أو إلى جعفر الصادق، أو عبد الله بن أباض، أي بين سنة 150 هجرية، السنة التي توفي فيها أبوحنيفة، و241 هجرية، السنة التي توفي فيها أحمد بن حنبل. وفي الحديث عليه أن يعود إلى البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، وابن ماجة، وإذا كان فقيهًا شيعيًا، عليه أن يعود إلى الكليني، والصدوق، والطوسي، أما في السيرة فعليه العودة إلى ابن هشام أو الواقدي والبيهقي، وفي تفسير القرآن عليه العودة إلى ابن كثير، والطبري، والقرطبي، والبغوي، ومع نهاية القرن الرابع الهجري تكامل العلم، وفقًا لرأي الفقيه، ولم يعد هناك من حاجة إلى الاجتهاد.

هذا حدث مع جميع الأديان تقريبًا، ففي المسيحية هيمنت الكنيسة على العلم الديني، والعلم الطبيعي، والفلسفة، فكل سؤال توجد له إجابة في الكتاب المقدس. وبعد مجمع نيقية، الذي عقد العام 325م، طُردت كل الفرق المسيحية المهرطقة، مثل آريوس الليبي وأتباعه. وعندما بدأ العلم يحبو في أوروبا، واكتشف القس البولندي كوبرنيكوس، والفيزيائي الإيطالي غاليليو أن الأرض تدور حول الشمس، وليس العكس، تعرض غاليليو للمحاكمة بحجة معارضته للكتاب المقدس، ومعارضته لنظرية بطليموس، المتوفى العام 180م، التي تبناها أرسطو حول مركزية الأرض، وهي النظرية التي سادت 1500 سنة، ثم تبين بطلانها. وعلى الرغم من أن بطليموس وأرسطو وثنيان، فإن الكنيسة قبلت نظريتهما، لأنها تتوافق مع ما جاء في الكتاب المقدس.

وهكذا وجد العلم نفسه متهمًا من الدين والفلسفة، على الرغم من أن الاثنين لا علاقة لهما بالعلم، في حين لم يتعرض أبوالريحان البيروني لأي إزعاج عندما أثبت في القرن الخامس الهجري كروية الأرض، لكن المفتي السابق للسعودية، الشيخ عبدالعزيز بن باز، توفي العام 1999 وهو مصر على أن الأرض لا تدور حول الشمس، وإنما الشمس تدور حول الأرض، وحجته في ذلك الآيات من 38 إلى 40 من سورة يس: «والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون».

في الحقيقة، لم يأت الشيخ ابن باز بهذا الاجتهاد من عنده، فقد عاد إلى تفسير الطبري الذي يقول في تفسيره: «إن الشمس عندما تغرب تستقر تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب»، والعرش، وفقًا للطبري، «قبة ذات قوائم تحملها الملائكة، والشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون من العرش، فإذا استدارت في فلكها الرابع، وهو وقت نصف الليل، صارت أبعد ما تكون من العرش، فحينئذ تسجد وتستأذن في الطلوع».

والطبري لم يأت بهذا التفسير من عنده، وإنما من حديث منسوب للرسول، رواه البخاري في صحيحه عن أبي ذر الغفاري. وعلى الرغم من أن معظم فقهاء المسلمين أقروا بكروية الأرض، فإن الماوردي والقرطبي، في تفسيريهما، يرفضان كروية الأرض. فالذي يعود إلى الآية: «والأرض بعد ذلك دحاها» يقر بكروية الأرض، أما الذي يعود إلى الآيات من سورة الغاشية: «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت»، فيؤمن بأن الأرض مسطحة وليست كروية.

في أوروبا يؤمن الغالبية من الناس بنظرية التطور، بينما لا يؤمن بها 33% من سكان الولايات المتحدة، لأن الدين، وخاصة المذهب البروتستانتي، لعب دورًا رئيسيًا في تأسيس الولايات المتحدة، بينما واجه الأوروبيون تعنت الكنيسة بالتوافق والثورات الدموية. وفي المقابل، نجد نسبة المسلمين الذين يؤمنون بنظرية التطور أقل من الأوروبيين والأميركيين، فعلى عكس رجال الدين المسلمين، اضطر رجال الدين المسيحي إلى دراسة العلم والفلسفة، ليجدوا تأويلًا جديدًا لما جاء في كتابهم المقدس.

في حديث منسوب للرسول، رواه أبوهريرة، ونقله أبوداود، والطبراني، والبيهقي، والحاكم، يقول الرسول: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». وأجمع الحفاظ على صحة الحديث، لكنهم اختلفوا في تأويله، فالأصوليون يعتقدون أن المقصود هو عالم دين يعيد الدين كما كان عليه في عهد الرسول والصحابة، بينما يرى آخرون أن المقصود هو العالم الطبيعي الذي، وفقًا لاكتشافاته، تتغير نظرتنا إلى العالم.

ولأننا لا نستطيع تغيير النص المقدس، فعلينا تأويله لينسجم النص مع ما يكتشفه العلم، لا أن ننكر الحقائق العلمية لصالح ظاهر النص. فإذا جاء في القرآن أن الله خلق آدم من طين، فآدم هو الإنسان العاقل «هومو سابينس»، كما يسميه علماء الأحياء، وليس إنسان نياندرتال الذي سبقه، وهذا لا يتعارض مع أن الإنسان العاقل تطور عن كائن مجهري وحيد الخلية، إلا أن العناصر الكيميائية نفسها التي يتكون منها الطين موجودة أيضًا في الكائن وحيد الخلية. فظاهر النص كان موجهًا لأهالي القرن السابع الميلادي، لكن تأويل النص يجعله منسجمًا مع أهالي القرن الحادي والعشرين.

وللخروج من هذه المعضلة يلجأ الفقيه إلى طريقتين: الأولى أن ينكر الحقيقة العلمية ويتمسك بظاهر النص، والثانية أن يزعم أن الحقيقة العلمية المكتشفة حديثًا وردت في القرآن. والغريب أنهم لا يكتشفون وجود هذه الحقيقة العلمية في القرآن إلا بعد الإعلان عنها.

في تفسيرهم للآية 33 من سورة الأنبياء: «وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون»، قال ابن عباس: «يدورون كما يدور المغزل في الفلكة»، وفسر الطبري الفلك بأنه «كهيئة حديدة الرحى»، لأن المغزل والرحى هما التكنولوجيا الأكثر تطورًا في القرن السابع الميلادي، فلا يمكن لهم أن يفكروا أبعد مما هو متاح. ومع ذلك فقد قسم علماء الحديث الأحاديث إلى عدة درجات، من بينها حديث الآحاد، الذي يرويه عن الرسول شخص واحد فقط، واعتبروه حديثًا «ظني الثبوت».

وحديث الشمس التي تسجد تحت العرش رواه فقط أبوذر الغفاري، وعندها سنكتشف أننا نعيش في عصرين في الوقت نفسه: عصر أبي ذر الغفاري، أي القرن السابع الميلادي، والعصر الذي نعيش فيه، أي الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، والنتيجة أننا لسنا هناك ولسنا هنا. إننا أمة ضاعت بين النجوم، ولا مستقر لنا.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»