مع تصاعد الزخم السياسي، واستمرار حالة الترقب التي تشهدها الساحة السياسية الليبية بالتوازي مع طرح بعض المقاربات الجادة لمعالجة الانسداد السياسي.. مبادرات متعددة وتحديات كبيرة، مسارات أممية ودولية، وبعد مرور عام على إعلان المرحلة الأولى لخارطة الطريق التي أطلقتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لاتزال الأزمة الليبية تعيش مخاضا عسيرا.. مفاوضات ماراثونية، وزيارات مكوكية لكبار مسؤولي الدول المتداخلة في الملف الليبي لطرابلس وبنغازي، وتقابل ذلك زيارات دبلوماسية لقادة الأطراف الرئيسية للعديد من عواصم صنع القرار الإقليمية والدولية.
بالمقابل تشكلت لجان عمل متعددة، تجتمع بشكل دوري، تناقش الملفات السياسية والعسكرية، حوارات متواصلة من أجل فك شفرة الانسداد السياسي، واعتماد خارطة طريق تحظى بتوافق الأطراف الرئيسية ودعم المجتمع الدولي، تُوحد المؤسسات الوطنية، وتُعيد تشكيل السلطة السياسية في البلاد عبر إنجاز الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
ويبدو أن استمرار أزمة الانسداد السياسي والتشرذم المؤسساتي أنتج حالة من الخيال الرغبوي، بحيث أصبح يُخيل لبعض الأشخاص أن تأسيس حكومة جديدة في ليبيا وترأسها أمر بسيط وسهل. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الفكرة في ذهنهم إلى حقيقة يسعون إلى تنفيذها، دون أن يكون لها أصل.
تابعنا للجمعة الثانية على التوالي، في سيناريو متكرر، خروج بعض الشخصيات في خطابات مصورة تعلن توليها رئاسة الحكومة بمسميات مختلفة.. حكومة الاستقرار الوطني وحكومة الطوارئ، حكومات من وحي الخيال، لا وجود لها على أرض الواقع، ينحصر وجودها في العالم الافتراضي، حكومات يتم إعلانها من غير أي تنسيق مسبق مع البعثة الأممية أو السلطات التشريعية، ولا تحظى بدعم القوى السياسية الفاعلة، الأمر الذي جعل الشارع الليبي يعيش حالة من الصدمة والاستغراب.
كما أن توقيت إعلان الحكومات في يوم الجمعة أعاد إلى ذاكرتنا إحدى عاداتنا الاجتماعية في الأفراح، وهي حكومة العراسة، التي كانت تُشكل ظهيرة الجمعة، اليوم التالي لزفاف العريس، وتتكون العراسة من أصدقاء وأقارب السلطان، رئيس الحكومة، الذي تكون قراراته نافذة طيلة فترة العراسة، ويساعد السلطان في الحكومة بعض الوزراء، الداخلية والمالية والعدل والصحة، وتصدر عن هذه الوزارات العديد من القرارات، تشمل الغرامات المالية، والأحكام والعقوبات المعنوية، مما يعني أن حكومة العراسة كانت تمتلك هامشا للعمل يفوق الحكومات المُعلنة.
هذه الأحداث المتكررة للقفزات غير المحسوبة تعكس صور الانفصال عن الواقع التي يعيشها العديد من الشخصيات التي انخرطت في معترك العمل السياسي، وتسعى إلى الوصول للسلطة، وتعتمد هذه الشخصيات في توقعاتها وتفسيرها للأحداث على الرغبات والأمنيات، بعيدا عن أي قراءات واقعية لمسار الأحدات السياسية، ويُطلق على هذه الحالة في علم النفس السياسي «الفانتازيا السياسية».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات