Atwasat

تشريح القنفذ ـ القذافي والقنفذ (3)

عمر الكدي الإثنين 04 سبتمبر 2023, 06:58 مساء
عمر الكدي

عندما اخترت لهذه السلسلة من المقالات عنوان «تشريح القنفذ» لتحليل شخصية معمر القذافي، كنت أدرك صعوبة المهمة. فقد تعودنا على عدم النظر بموضوعية للشخصيات التاريخية، إما أن نحبها بإفراط أو نكرهها بنفس الإفراط، وآليت على نفسي، منذ البداية، أن ألتزم، قدر الإمكان، بالموضوعية. وهو أمر عسير حين تتناول شخصية سببت لك الأذى، وسببت لبلادك الكوارث، ولا يزال الليبيون والعرب منقسمين حول الطغاة المعاصرين من عبد الناصر، وعبد الكريم قاسم، وبومدين، والأسد، وصدام حسين، والقذافي، وبالتأكيد سنحتاج إلى مسافة زمنية مناسبة للتدقيق فيما خلفه هؤلاء من وثائق للحكم النهائي عليهم. وما سلسلة المقالات هذه إلا محاولة مني لدراسة شخصية كان يجب أن تحاكم محاكمة عادلة حتى لا تتكرر مرة أخرى في تاريخنا الحافل بالطغاة، وقتله بهذه الطريقة الوحشية حرم الأجيال اللاحقة من معرفة ما جرى في حقبة القذافي الطويلة، لعل ذلك يكون مثل اللقاح المضاد لهذه الظاهرة الوبائية.

في البداية اخترت القنفذ بسبب صعوبة تشريحه وهو يحيط نفسه بكل هذه الأشواك، ولكن بعد أن درست سلوك القنفذ ودورة حياته، وشاهدت العشرات من الفيديوهات وجدت تشابهًا عجيبًا بين القذافي والقنفذ، فالقنفذ حيوان خجول منطوٍ على نفسه، ومعظم الطغاة هم كذلك، وكل من عرف القذافي أكد هذه الصفات، وخاصة قبل وصوله إلى السلطة، أما بعد وصوله إلى السلطة فتعود على مواجهة الجموع، فنزع ثوب أشواكه وأظهر قدرًا من الثقة بالنفس، إلا أنه سرعان ما يعود إلى خلوته وإلى ثوب الأشواك، وقصته «الفرار إلى جهنم» توضح خوفه المزمن من الجماهير، أما في لحظات الخطر فيختفي القذافي مثل القنفذ ويدخل أول جحر، وهذا ما حدث بالضبط عندما أخرجه المتمردون من أنبوب صرف مياه الأمطار يوم 20 أكتوبر 2011.

القنفذ حيوان ينشط ليلًا، ويتحرك في الظلام معتمدًا على حاسة الشم، فنظره ضعيف، والقذافي تمرس في العمل السري قبل الانقلاب، وشكل خلاياه السرية في الظلام.
في الشتاء يدخل القنفذ في سبات يستمر من نوفمبر إلى مارس، لا يقطعه إلا كل أسبوعين ثم يعود إلى سباته، والقذافي ينزعج من البرد والشتاء، ويصاب بنزلات البرد بسهولة، لذلك إذا حل الشتاء يرحل إلى الصحراء، وأحيانًا إلى وادٍ جنوب سرت يُعرف بوادي جهنم لحرارته الفظيعة، كما لا يحب القذافي استخدام المكيفات في كل مكان يذهب إليه.

غرفة نوم القذافي تشبه جحر القنفذ، فلا توجد بها نوافذ، خوفًا من أن تصوره الأقمار الصناعية وهو في أوضاع مخلة، والقنفذ حيوان غير اجتماعي لا يعيش في عائلة، ويلتقي مع الأنثى في موسم التزاوج ثم يفترقان، والقذافي عاش طوال حياته بعيدًا عن عائلته، هو في باب العزيزية وبقية العائلة في رأس حسن أو في حي غرغور.

ليس للقنفذ أعداء يخشى مطاردتهم إلا الإنسان، وخاصة البدو في الصحراء الكبرى، الذين يعتقدون أن للحم القنفذ فوائد صحية، ويشفي بعض الأمراض، ومقوٍ جنسي، ومع ذلك فالقنفذ قادر على مواجهة أخطر الثعابين السامة وغير السامة، فجسمه لا يتأثر بسم الأفاعي والعقارب، وأي مواجهة مع هذه الزواحف يخرج منها منتصرًا، والأفاعي غير السامة التي تعتمد على عصر ضحاياها تهرب من القنفذ، فعصر القنفذ هو انتحار بالتأكيد، وتتحول إلى وجبة دسمة للقنفذ، الذي عادة ما يأكل الحشرات والفواكه المتساقطة، ولأنه يدخل في سبات شتوي فيحتاج إلى دهون يخزنها تحت جلده ليتغذى عليها في سباته الطويل، وهو ما يجده في الأفاعي والسحالي والضفادع.

في التراث الشعبي، وخاصة في المغرب، ثمة حكايات عن ذكاء ودهاء القنفذ، ولكنها حكايات تهدف إلى تعليم النشء عدم الاستخفاف بالكائنات الضعيفة، تشبه حكاية السباق بين الأرنب والسلحفاة، فثمة حكاية للسباق بين القنفذ والثعلب تنتهي بفوز القنفذ بالسباق، كما توجد حكايات عن خداع القنفذ للذئب، ولكنها بالتأكيد حكايات غير واقعية وهي أشبه بإعلام القذافي الذي يصوره قائدًا منتصرًا بعد كل كارثة، ففي غارة استمرت ربع ساعة في أبريل عام 1986 أضاف لقب العظمى للاسم الرسمي للبلاد، وفي الحصار أنتجت أغانٍ تصوره يخرق الحصار بطائرته، واختار من بين كل الحيوانات الصقر، ولقب بالصقر الوحيد، بينما كان في الحقيقة مجرد قنفذ حتى في السياسة الدولية، فصوت القنفذ يشبه صراخ طفل رضيع، ولا يشبه صوت الصقر أو أصوات الحيوانات المفترسة، ومن سوء حظ ليبيا أن قنفذها تحدى الأسد، والنمر، والذئب، والدب، والضبع، وهي حيوانات تسيطر على الغابة، وتأنف أن يتحداها قنفذ يهرب إلى أقرب جحر بمجرد أن يسمع زئيرها أو عواءها. كان من الممكن أن يتغير مصير ليبيا لو أن قنفذها اقتنع بقنفذيته، ولم يتحول إلى صقر بأجنحة من وهم يقول لملك الغابة: «طز في الأسد». لم يكن القذافي كما وصفه الصحفي المصري محمد حسنين هيكل «طرزان في نيويورك»، ولا حتى الرجل الوطواط في نيويورك، كان مجرد قنفذ في برارينا الشاسعة.

________________

تشريح القنفذ ـ البدوي الأخير (2)
تشريح القنفذ ـ تحليل شخصية الطاغية (1)



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»