Atwasat

قبل الدخول إلى القاعة

أحمد الفيتوري الثلاثاء 26 أكتوبر 2021, 11:11 صباحا
أحمد الفيتوري

إن الأرض تتغضن، وتضاريس تتشكل، أفواه فاغرة، ووجوه مدهوشة، وعيون حائرة، وعقول عقلت، هكذا بدأ القرن الجديد، في الألفية الجديدة. حربا عالمية ثالثة، تقوم عن شق سكين الزبدة لبطن الفيل، وقوى تتخبط، ليخرج من قبعة الساحر، الفيل الهائج، ما لا يعرف وما لا نعرف.

هكذا هي صورة العالم، في عيونه المرئية والمسموعة، وفي النفوس، هكذا نلتقي، والعالم عالمنا في محك وعلى مفترق طرق.هذا العالم الذي ضاق، حد غرفة النوم، واتسع حد أن عيونه وأفعاله، تسكن الفضاء البعيد، قرب النفس، وضاق وبدا، وكأنه ليلة سكاكين الزبدة الطويلة. والحدث فيلم رعب هوليودي، من نوع " الأكشن "، فكيف يتمكن المرء، من التفكير بروية، والرئة تلاحق النفس، ونقص الأكسجين. كيف يمكن التأمل، والرؤية مشوشة، وقصر النظر، و "رؤيا القيامة الآن": ما هو فيلم أمريكا الطويل والأشهر، الحائز على أوسكار، يعاد عرضه في جسم الواقع.

أين الآن وهنا، وأين العقل من المعقول، أين الفكر من التفكر، أين النقد من المنقود، أين السؤال، سؤال الأين هذا، سؤال النقد، كيف هو، في متى مدلهمة، تغمض الدماغ، والعين مفتوحة على السؤال؛ سؤال الوجود والماهية. في حالي هذا، يموج عقلي باضطراب نفسي، حيث ما يجب، يبدو وكأنه لا يجب، بمعنى أن البحث في موضوعة، لقائنا هذا، من لزوم ما لا يلزم: أن نقعد قعدتنا هذه، في قاعة يقعقعها عالم صاخب، وأبواق الحرب صادحة.

كيف للمحاضر، في جامعته، أن يسد السمع عما يسمع، للناقد أن يتفحص، بنية النص الجوانية، والبنية الظاهرة للعيان مبقورة، هل يعد ما يعد ليس هو، وأن الدارس الباحث، إن أغلق أبوابا تفتح أبواب، وأن ما يلزم لزوم البحث، أن يسد أذن الجواني، فالبرانى غدا جوانيا حتى النخاع، أن يعتبر أن النصوص بقرت، وأن الرفث عطر الآن هنا. أو كما يقول بحاث الإيديولوجية: النص تابع، وبالتبعية أن يصدع بما يؤمر، وأن النص ليس لعبة اللاعب، وأن قانون اللعبة افتراض موضوع، وأن ما يقال إلا ما يجب أن يقال.

السلب كما هو، إرادة السالب إرادة المسلوب، فأن نغلق القاعة، ونتمترس بمتراس الحداثة ومفاهيمها، ونغط بسبات قصيدة النثر، عما يسألون، عما حادث، فبئس المعقول اللامعقول. أن نعطى بظهرنا للظاهر، أن نستبعد ما لا نستطيع، أن نكون من النعام، أن نعتقد أن دفن السؤال، بريش الأسئلة، التي لا حد لها، يكفينا البحث في السؤال، وأن يكون الخرس مفتاحا، يقفل كل الأبواب المفغورة الأفواه، أن نظن ذلك، وبعض الظن آثم، لن يزيد الإلحاح إلا إلحاحا، والمشكل إشكالا.

• كل ما هو خارج هذه القاعة، لا وجود له:
إذا لنخرج قليلا، لنخرج من هذا الاسترسال، ومط الكلام، لننقب عن: ما جدوى أن تكتب ما جدوى الكتابة. أن نستعين بالبحث، في تراثنا الحديث، عن هذا المشكل، الذي نتغيا البحث فيه، أي أن نبحث،عن الغائب في الحاضر، وعن الخفي في المتجلي: يقول القائل، وانتبه أنه لا يكتب ذلك، أن ليس ثمة نقد، وأن ليس ثمة نقاد بالتبعية، والقصد في حالتنا الوبائية المستشرية، غياب النقد الأدبي، ويسكت المتكلم، عن الكلام، فهذا حد الكلام المباح عنده.

غياب العقل الناقد، ليس من مبحثه، وتجلى هذا في غياب: نقد سياسي، واجتماعي، وفكري، ليس من مبحثه، بحثه منصب، على نبت شيطاني، كما يبحث بحاثنا، في مشرق البلاد، عن السلفيوم النبتة السحرية، وفي ذلك يقيمون الندوات، والحلقات الدراسية، ويؤلفون الكتب.

هذا القائل الكاتب الشفهي!، الليبي الطالع والسمة، يقول قوله هذا ويستغفره، معتقدا أنه بذلك، يكفي الله المؤمنين شر القتال.

أقول قولي هذا، وأتساءل مع الناقد يوسف القويرى: كيف يصل المنهج العلمي، إلى تحديد فكرة قلقة مضطربة، غير محددة جيدا، كمعنى وكفكرة، في رأس الكاتب أو المتحدث، وإلى جعلها أمرا واضحا عميقا، يفيد من يسمعه أو يقرأه. ويجيب الناقد يوسف القويرى عن السؤال: "هذا يرجع إلى (المجهر)، الذي يحمله المنهج العلمي. أي إلى طريقته الخاصة الدقيقة، في الرؤية، وفي تحليل ما يتناوله. فالمنهج العلمي يرى الأمور، أولا كما هي، في حجمها الواقعي، وفي حركتها، وفي ارتباطاتها.. "..

دعونا بهذا المجهر، نستعين للكشف، عن جوانية ما نعانى، إذا ما بحثنا فيما ظهر، من نقد، تجلى في كتابات، بدأت كما بلادنا، التي خرطت عقب الحرب الأولى، وحملنا هويتها عقب الحرب الثانية، فإن هذا يعنى أولا: أن اليقين حفيد الشك، وثانيا: وبناء على الأولى، أننا نشك في حكم القيمة هذا، الذي يقدم استخلاصاته، بقطعية غير علمية، حيثيته أن لا وجود للنقد.

على ذلك، لنعده احتمالا قابلا للنقاش، حيث "لا يحد الاحتمال، سوى قصور الخيال، وعلى المستوى المنطقي، لا حد يحد الاحتمال، سوى قيود المحال"، أو كما قال نجيب الحصادى. مطلع القرن الماضي، بدا أن ثمة حالة إبداعية، كسرت مألوفا وشائعا، وأن الوطن على محك حراك دولي. في هذه الفترة، برزت نقود، في هوية الكائن والمكان، من عصمالية إسلامية، وعروبية غير واضحة، ووطنية مشوشة، وكنا آخر ما عند الرجل المريض، من ممتلكات خارج الأناضول.

كذا كتب الشعر، على غير ما هو عليه، من شعر المناسبات أو اللاشعر، فكان معطف بن زكرى التوشيح، وفي الصحف، صحف بن موسى وغيره، كان للنقد الاجتماعي باع، حيث الصحفي مصلح اجتماعي، ورث فقيه الجامع، وما أنتجته الزوايا السنوسية، من مفاهيم إصلاحية سلفية.

ولم تنجز المهمة النقدية، فالساحة ساحة وغى، فيها الكلام للسلاح، لكن ناقدا ظهر للعيان: الصحفي الذي نقوده، تشمل الاجتماع والسياسة، وتتعرض للإبداع.
ويتبع الكلام في الكلام....

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات