Atwasat

ماذا تبقى فينا من أسلافنا الغابرين؟

عمر الكدي الإثنين 20 مايو 2024, 03:14 مساء
عمر الكدي

لم يقل تشارلز دارون في كتابيه "أصل الأنواع" 1859 و"أصل الإنسان" 1871 أن الإنسان أصله قرد، وكان علينا أن ننتظر إلى عام 1974 عندما عثر العلماء في إقليم عفر باثيوبيا على 40% من هيكل عظمي لفتاة أطلقوا عليها اسم لوسي. كانت الحلقة المفقودة التي لم يعثر عليها دارون لمخلوق يشبه الإنسان، ولكنه ليس إنسانا ولا قردا، ينتمي إلى ما عرف في المراجع العلمية بـ"اوسترالوبيتكوس افريكانوس".

كان قصير القامة، فلوسي يبلغ طولها 107 سم، قادرة على المشي منتصبة ولم يكن لها ذيل. تحمل جمجمة صغيرة ويعتقد أنها ماتت بعد سقوطها من مكان مرتفع، وبقيت عظامها في مكانها ملايين السنين، ولكن لوسي علميا صنفت من فصيلة الرئيسيات التي ينتمي لها كل أنواع البشر الثمانية الذين تعاقبوا على الأرض، بمن فيهم الإنسان العاقل "هومو سابينيس" والقردة العليا مثل الشمبانزي والغوريلا والأورنج أوتان. فماذا بقي في أجسادنا من هؤلاء الأسلاف وماذا اختفى؟.

ظهور ضرس العقل عند حوالي 80% من البشر المعاصرين والذي لا تعرف له وظيفة، يؤكد أن هذا الضرس كان يساعد في طحن الألياف النباتية عندما كان أسلافنا نباتيين، ثم فقد وظيفته ولكن الجين المسؤول عنه لا يزال يعمل في أجسادنا، مثل تطبيق على الكمبيوتر يواصل الظهور بالرغم من أنك محوته منذ مدة، كما أن وجود عظام العصعص أسفل العمود الفقري، والتي لا يتاثر الجسم إذا استئصلت يؤكد أنه كان لها وظيفة ذات يوم، وهذه الوظيفة هي تثبيت وحمل الذيل الطويل الذي ساعد أسلافنا على البقاء فوق شجر الغابة المطيرة ملايين السنين، كما أن وظيفة الزائدة الدودية لا تزال غامضة وربما كانت تساعد في هضم السليلوز عندما كان أسلافنا نباتيين، كما أكد العلماء أن البشر الذين سبقوا الإنسان العاقل كانوا مزودين بغشاء يغطي العينين لحمايتهما، يشبه الغشاء الذي لا يزال على عيون الطيور والزواحف.

ربما كان الخوف من الوجود هو أكثر شيء بقي من أسلافنا في أعماق الإنسان المعاصر. من شدة خوفهم بقي أسلافنا فوق الأشجار ملايين السنين، فالنزول من الأشجار يجعلهم في مواجهة الحيوانات المفترسة، وحتى فوق الأشجار يمكن أن تزحف الثعابين السامة والعاصرة صاعدة إليهم، كما أن النمور والفهود يمكنها تسلق الأشجار، ولهذا ابتكر أسلافنا آلية للانذار المبكر، فعندما تبدأ القرود بالصراخ الهستيري وتطير الطيور فجأة فهذا يعني أن الخطر قريب.

لم يختف الخوف من أعماق الإنسان أبدا، فكل المخلوقات التي كان يخشاها قدسها وعظمها في المرحلة الطوطمية، وحتى الآن لا يزال الأسد رمزا للشجاعة بالرغم من ترويضه وتحوله إلى فقرة في السيرك وإلى فرجة في حدائق الحيوانات.

الإنسان هذا الكائن الجبان مستعد أن يتنازل عن أشياء كثيرة مقابل أمنه، وهذا ما اكتشفه الحكام والكهنة منذ زمن بعيد، فاستثمروا هذا الخوف للحفاظ على امتيازاتهم. الحاكم يخيفهم بالعقاب الدنيوي الإعدام والسجن والنفي والجلد بالسوط، والكاهن يخيفهم من عذاب القبر وعذاب يوم القيامة، وقد يستعجل قتلهم إذا كانوا من فئة العلماء والمثقفين والفلاسفة، كما حدث للحلاج والسهروردي ومحمود محمد طه وسافونا رولا، أو يكتفي بمحاكمتهم وإجبارهم على التراجع عن أفكارهم، كما حدث لابن رشد وغاليلو، ونصر حامد أبوزيد لأن هذه الفئة تشكل أكبر خطر على الحكام والكهنة، فما يقولونه قد يزيح عصابة الخوف عن عيون الناس ليبصروا الحقيقة، ولهذا أطلق الأوروبيون على ذلك العصر اسم عصر الأنوار.

فبعده اختفى الكهنة من المجال السياسي، ولم يعد بإمكانهم التحريم والتحليل، أجبروا على البقاء في كنائسهم ومعابدهم في انتظار من يأتي من المؤمنين الذين من شدة خوفهم لا يزالون في حاجة للطمئانينة، حتى ولو كانوا أغنياء ولا يخافون من الحاجة والفقر والجوع، ولكنهم لا يزالون يطمعون في خيرات ما بعد الموت، والكهنة هم بوابة الآخرة ولا عجب فقبل عصر الأنوار كانوا يمنحون الناس صكوك الغفران.

بالرغم من الديمقراطية وحقوق الإنسان والتطور التكنولوجي ومجتمعات الرفاهية، لا يزال الإنسان كائنا جبانا ورعديدا ومستعدا للصمت ومنافقة القوي، ربما لهذا يخلد الإنسان الشجعان من جنسه ويحولهم إلى قديسين، فالشجاع سيقتل في المعارك أو في السجن، ولكنه سيصبح من الخالدين ويطلقون اسمه على الميادين والشوارع، وينصبون تماثيله في كل مكان، بينما ينسون الإنسان الجبان داخلهم بل يحرضون على المزيد من الخنوع.

في ليبيا يقولون "إللي خاف سلم"، و"حط رأسك بين الروس وقول يا قطاع الروس"، وفي أماكن أخرى يقولون "اليد اللي ما تقدرش تعضها بوسها"، ومع ذلك لابد من الاعتراف بأن الخوف هو الذي أنقذ الجنس البشري، وكما يقول أرسطو فإن الفضيلة هي وسط بين رذيلتين، فالشجاعة هي وسط بين التهور والجبن، والخوف جينات في تركيبة الجنس البشري، فلا يوجد من لا يخاف من المرض والعجز والفقر، ولكن أن يصيب الخوف شعوبا كاملة وأمة كبيرة بعددها ومصادر ثرواتها، وتلقي السلاح قبل خوض المعركة، فهذا الخوف ليس موجودا عند الشعوب الحرة، وإنما عند الشعوب التي لا تزال في مرحلة القطيع. عليها أن تطيع الراعي لتنجو من عصاه ومن أنياب كلبه.

صحيح أن الراعي والكلب يحميان القطيع من الذئاب، ولكنهما في الواقع أكلا من الخراف أكثر من الذئاب. ذلك الحيوان المسكون بالخوف اضطر للعيش متنقلا فوق الأشجار آلاف السنين، ولم يجرؤ على النزول إلى الأرض إلا بعد أن بدأت الأشجار تحته تختفي بسبب التغيرات المناخية، التي جعلت من غابات شمال إفريقيا أكبر صحراء على الكوكب. هذا المخلوق الرعديد هو أكبر مفترس في تاريخ الكوكب، فقد أكل كل ما يدب على الأرض وكل ما يسبح في البحر وكل ما يطير، كما أكل من اللحوم أكثر مما أكلت الديناصورات التي يقدر أنها عاشت 150 مليون سنة قبل انقراضها، فكم سيأكل هذا الكائن الضعيف والذكي وهو لم يعش حتى الآن سوى 3 مليون سنة.