Atwasat

مبارزة البئر

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 19 مايو 2024, 05:37 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

تقول إحدى الحكايات الشعبية أن غولاً ورجلاً قررا أن يتبارزا، وطلب الرجل أن يحدد هو مكان المبارزة فوافق الغول. في موعد المبارزة جاء الغول ممتشقاً شجرة بكاملها وجاء الرجل متسلحاً بعصا صغيرة، وكان مكان المبارزة بئراً. لم يتمكن الغول، بسبب ضيق المكان، من استخدام سلاحه الهائل، وأخذ الرجل يخزه بالعصا حتى أنهكه وهزمه.

هذه الحكاية تنطبق على ما يدور في غزة الآن بين الغول الصهيوني والإنسان الفلسطيني المقاوم. الأول يمتلك أكثر الأسلحة تطوراً ويتلقى إمداداً متصلاً من أغوال أخرى داعمة، على حين ليس في حوزة الثاني سوى أسلحة بسيطة مقارنة بما تحت تصرف عدوه.

لكن المقاوم الفلسطيني كان قد استخدم عقله واستعد جيداً ليوم الكريهة هذا، في حين أن عدوه الغول المتبجح بجبروته ودعم الأغوال الأخرى أُخذ على حين غرة واندفع، دون تفكير، إلى خوض أتون الحرب في «البئر» فانهالت عليه «الوخزات» وكثرت في جسده الجراحات وصار يترنح.

لقد أخذت خسائر العدو الصهيوني الموجعة تتوالى وتتكاثر يوماً عن يوم ما أدى إلى أزمات على مستوى مؤسساته الحاكمة وجيشه ومخابراته وإلى انقسامات في الطبقة السياسية وعلى المستوى الاجتماعي.
للمرة الأولى في تاريخ هذا الكيان الغولي العدواني يخوض حرباً بهذا الطول ويتكبد هذه الخسائر على المستوى العسكري في العديد والعتاد وعلى المستوى الاقتصادي والإعلامي ثم على المستوى الأخلاقي بحيث تناقص عدد الداعمين له على المستويات الشعبية وفي أوساط المثقفين والإعلاميين وبين كثير من اليهود الذين صاروا يعلنون صراحة أن «إسرائيل» لا تمثلهم، وازداد عدد الرافضين له الذين يعتبرونه نظاماً متوحشاً يرتكب عمليات إبادة جماعية. إضافة إلى أزمة المستوطنين النازحين من مستوطنات محيط غزة وشمال فلسطين.

لقد لاحظنا في الأيام الأخيرة أن قيادة جيش الكيان الصهيوني بدأت تعلن عن خسائرها من العسكريين القتلى والمصابين في أتون غزة أكثر مما كانت تعلنه في الماضي، ومع أن خسائر الكيان، الذي يتكتم عن خسائره، أعلى بكثير مما يعلن حتى الآن، إلا أن قيادة الجيش أصبحت أقل تكتماً.

فما هو الدافع إلى هذا التحول؟

في رأيي أن قيادة الجيش تهدف من تقليل حدة التكتم هذه، في ما يخص الإعلان عن أعداد العسكريين القتلى والمصابين، إلى الضغط على رئيس الحكومة من خلال زيادة ضغط الشارع «الإسرائيلي» ودفعه إلى التوصل إلى عقد صفقة إطلاق سراح الأسرى والرهائن* وإيقاف الحرب، لأن الجيش هو الذي يتحمل تبعات الهزيمة العسكرية وأن مزيداً من الفشل والخسائر في العسكريين سيؤدي إلى انهيار المؤسسة العسكرية.

* نستخدم مفردة «الأسرى» هنا للعسكريين و«الرهائن» للمدنيين.