Atwasat

اليوم مرهون للأمس!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 21 مايو 2024, 12:08 مساء
أحمد الفيتوري

1-
حقائق الأمس مرهونة باليوم، من هذا تتناسل سلالة الأمس، ما ليس أمسا عند كل فاعل قدير، وقد غدا عند الكثيرين: الزمن الجميل. فاليوم رهينة الأمس البعيد/ أي منذ أربعة عشر قرنا، أو الأمس القريب/ أي ليلة البارحة من ساعة ما تقرأ هذا. يُقال لَيّ رقبة، فالماضي ليس الماضي، بل الماضي كما يريد الحاضر، ما ليس حاضرا، إلا في ذاك الماضي الذي يريد. وإذا كان حقا أن غدا يبدأ اليوم، فإن اليوم هو مكرر أمس، ما ليس أمسا بل الزمن الجميل، هذا الجميل ما يمطط، ما يقص، ما يعاد تدويره، حتى يفقد هويته، بالمصادرة على المطلوب حسب قول الفلاسفة.

إذا كنت تريد أن تكون في الصادرة فكن من أصحاب أمس، تنويري يرهن نفسه لتأويل الأمس، لا يرى يومه إلا فيما حدث، وهو يتهم الآخرين بالماضوية، غارق حتى الثمالة فيما حدث من قرون، فمهمته الهروب من اليوم فإخفاء المستقبل. مشغول بالسلف ومغيب للخلف، تراثي حتى النخاع، مؤرخ يسكن الكهوف ويستكشف طريق البحث فيما حدث في غابر الأيام، ومن هذه الخلفية مثير للزوابع، فيبدو كمشكك ومستريب حول وقائع الألفية الأولى للميلاد في الألفية الثالثة، كل ما مضى بعيدا شاغله باعتباره تنويريا سلفيا أو سلفيا تنويريا، مشتغل بإشعال النار في الهباء والرماد.

زعيق ونعيق حول الأمس واستسلام للراهن، كأنما ما يحدث لا يحدث، وأن ما حدث في الحقب الماضية هو الحدث، تنطع فكروي يغطي روحا انتهازية تثير غرائز ومكبوتات، فتارة تتغطى بالجنس وأخرى بالدين، وتدين المتأدلجين المشغولين باليوم. وفي الراهن يبزغون كشموس تنوير ظلامي، يغوصون في الوحل ويثيرون العجاج ويطنبون في التملق والادعاء، مسلكهم ركوب الغريب والمستغرب، إعادة المعروف المنسي، وكأنهم بهذا يعيدون اكتشاف العجلة. هذه بضاعة تملأ النفوس التي يضربها الكساد من تمضغ الماء، فتبيع كلاما لا يسمن ولا يغني من جوع، لكن يعبث بالعقول وينشر العتمة ويجعل المتاهة مسلكا وغاية.

2-
متعب مني
ولا أقوى على حملي
لبيت كلما قاربته ينأى
بما سهدني العشق على كتفي ناما*

الشاعر يلقي قصائده، في الساحة الخضراء، والعقيد يخطب، والإذاعة والتلفزيون ينقلان الحدث مباشرة، أما الجماهير فقد غصت بها الساحة، التي من ليس بها، يتابع هذه المسرحية التراجكوميدي! عبر الأثير.
كان العقيد يقود الجماهير، في تظاهرة غاضبة، ضد احتلال العدو الصهيوني لأول عاصمة عربية، فيما الشاعر في نفس المكان نفس الزمان، يشتم الحكام وكل العرب، من يُزنى بعروستهم. كنا في سجون العقيد حينها، فكانت الملهاة عندنا، أن الشاعر الذي يشتم حكام العرب، في قصائده التي يلقيها في الساحة، يقف إلى جانب العقيد، من يخطب شاتما أيضا الحكام العرب!.

لم يكن الشاعر مظفر النواب ساعتها، يفعل ما لا يرى أو ما لا يريد، وقد كان منذ فترة قد حل على العقيد معمر القذافي كشاعر كبير، ليقيم في ليبيا لسنوات، وليتخذ من جواز سفرها هوية رسمية. آنذاك اعتاد التلفزيون الليبي، بث قصائد الشاعر، الممنوعة في الدول عربية، كما أن إذاعة صوت الوطن العربي الكبير الليبية، عادة ما تنهي ليلها وتبدأ نهارها، بالمظفر يلقي تلكم القصائد الممنوعة بالجملة. حيث يتسنى للعرب، من المحيط إلى الخليج، الاستماع للشاعر، ولمن يرغب التسجيل، بما يعني أن الشاعر مظفر النواب، ولسنوات، كما مالك لإذاعة ذات تردد قوي جدا، وعنده وقت وفسحة تلفزيونية، وذا في تقديري لم يحدث في تاريخ الشعر العربي، وبتحفظ غير المتيقن، لم يحدث لشاعر البتة.

الشاعر مظفر النواب وجد مبتغاه، فقد كان رفقة «عازف عود»، وأحيانا بعوده وحده، يقيم الأمسيات الشعرية الكبرى، في قاعات البلاد الكبرى، مثل قاعة بنغازي، ما شيدها الإيطاليون من أدوار ثلاثة، وفي مسرح الكشاف بطرابلس ما شيد في العهد الملكي كأهم قاعة بالمدينة. ثم تبث الأمسيات عبر الإذاعة، وبعض منها عبر التلفزيون. كان الشاعر يلقي ما يحب، ويكتب ما يريد، ولم يكتب مديحا أو هجاء، إلا فيما يرى ويعتقد، وهذا ما يمكن استنتاجه مما نشر مظفر النواب. والشيء بالشيء يذكر، فقد فعل العقيد شيئا مشابها نوعا ما، مع المخرج الأميركي السوري الأصل مصطفى العقاد، عندما لم يتمكن، بعد فتوى مضادة، من إنجاز «الرسالة»، الفيلم التاريخي الإسلامي الشهير، ما أنتج ليبياً، وصور في ليبيا، وعرض في ليبيا، حين منع في غيرها.

لماذا أذكر تاريخا، وحدثا من سالف الأيام؟، أجيب أن من دواعي ذلك، مشاهدتي هذه الأيام، لشريط تلفزيوني معاد بثه، أُنتج وعرض في محطة كبرى، ولم يذكر شيئا مما ذكرت. وفي تأويلي الشخصي أن ناتج هذا تزوير، أي إزالة فترة مهمة من تاريخ شاعر، ومن مرحلة تاريخية، أو على الأقل مصادرة للوقائع، حيث وضع الشاعر، في سرير بروكست المرحلة، ما تزيل وتضيف للأمس ما تريد وترى اليوم، والحدث وليد الأمس القريب، فما بالك بالبعيد. وهذا سيعني تشويها للشاعر لأنه تزييف للحقائق، وكأنما الشاعر طفل يملك الورثة الوصاية عليه.

بكيفية كهذه، ليس الشاعر مظفر النواب، الذي نشاهد في الشريط المزعوم كشهادة، بل ما نشاهد الشاعر المكيف للحظة، لذا يكون الشريط، شريط مونتاج، من الفكرة فالتأليف والسيناريو والإخراج حتى العرض. أي في كل مراحله تصادره المرحلة المنتجة، ومن هذا يتضح: أن إرادة النواب، مصادرة ومتعسف عليها، حين كان الشاعر بإرادته يلقي قصائده في أمسية الساحة، أو ساعة بث الشريط. الشريط الذي يحدث وما نشاهد الآن وهنا، شريط الشاعر مظفر النواب، من سمى الشريط: متعب مني
ولا أقوى على حملي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*من قصيدة الشاعر مظفر النواب: أيها القبطان.