Atwasat

وطن المتاهة

سالم العوكلي الثلاثاء 21 مايو 2024, 02:01 مساء
سالم العوكلي

من فترة أعمل على كتابة ما يسمونه سيرة ذاتية، معتمدًا على الذاكرة البعيدة وعلى ما سجلته من أسبوعيات (وليس يوميات) في الأعوام الأخيرة، واللافت أن تكتشف أن كتابة سيرتك ستتحول إلى ما يشبه كتابًا في السياسة، وأن كثيرًا من تفاصيل حياتك خلفها فوضى أو قرارات سياسية عشوائية حتى وإن ادعى أحد ما أنه تحاشى السياسة في حياته أو في الكتابة، لأنه بمجرد أن تكون (مواطنًا) فهذا يعني أنك كائن سياسي أو مغمور بها.

منذ بداية الثورة الليبية انتشرت تسمية إعلامية لمن يتحدثون في القنوات الفضائية تحت تسمية (ناشط سياسي) أو (مهتم بالشأن العام) تُطلق عادة على من ليس له اختصاص في أي شأن، وحين يعلق البعض بسخرية على هذه الصفة المتفشية في الفضائيات، كنت أرى أنه من الطبيعي أن يكون كل مواطن ناشطًا سياسيًّا بطريقة أو أخرى، فحين تستيقظ في الصبح لتلحق بطابور الخبز أو المصرف أو الوقود فهذا نشاط سياسي، ولأنه كذلك ستجد أن كل من في الطابور يتحدثون عن السياسة التي صنعت هذه الطوابير الطويلة، وحين تحاول لسنوات مستمرة الحصول على جواز سفرك ولا تستطيع فهذا شأن سياسي.

وحين تسير بسيارتك في طرق الوطن الزاخرة بالمطبات وسط حشود من السيارات المغفلة دون لوحات مرورية تُعرف بها فهذا شأن سياسي، وحين يشتعل حريق في الغابة وينطفيء وحده دون تدخل هذا شأن سياسي، وحين تنقطع الكهرباء مرارًا ويتعفن ما خزنته من طعام في ثلاجتك فهذا شأن سياسي، وحين تُسعف مريضًا إلى مستشفى ولا تجد من يهتم بك فهذا شأن سياسي، وحتى ما يزخر به شعر الحب من لوعة وعدم قدرة على لقاء الشريك وعجزهما عن الارتباط وراءه سياسة، لأن السياسة في جوهرها هي هندسة شؤون الناس وفن إدارة الزحام عبر التخطيط العلمي لتحقيق رفاه الناس الذين يُسمَّون مواطنين ويدفعون الضرائب للدولة.

باختصار، حين يكون بعض أو معظم سياسيي وطنك جهلة أو أنانيين أو لصوصًا، أو كل هذا، فستتحول حياتك، أو على الأقل فصولٌ منها، إلى سيرة لهاث في متاهة لا مخرج لها. تكررت في هذا التمهيد مفردة سياسة كثيرًا وأرجو ألا تكون عبئًا لغويًّا على كتاب السيرة الذاتية إذا قُدر له أن يرى النور يومًا.

سأتناول هنا إحدى الأسبوعيات التي كتبتها من فترة قريبة بما فيها من مفارقات مؤسية تقف وراءها دولة (إن صحت التسمية) ترتجل حياة الناس وشؤونهم بعشوائية غريبة. إنها باختصار المتاهة التي يجد المواطن نفسه فيها، والمتاهات لغز لا تحيط به الخرائط ولا العلامات التي تدل على مخرج الطواريء، فتجد نفسك كل مرة تصطدم بجدار أو تدور في حلقات لتصل إلى النقطة نفسها التي انطلقت منها، ما بالك حين يعم الظلام هذه المتاهة؟ سأورد حكاية شخصية من أسبوعياتي، وهي ليست شخصية بالضرورة لأن معظم الليبيين الطبيعيين معنيون بها وعالقون في شِباكها بشكل أو آخر، خصوصًا حين تكون السيولة ثم العملة الوطنية موضوعها.

كان ابني قد خطب من سنين، وحين أُعلِن عن برنامج إعانة الزواج قرر أن يخوض فيه فعقد قرانه وتحصل على صك إعانة في حسابه المصرفي، وهو مبلغ لا يستطيع سحبه لعدم وجود سيولة في المصارف. وبدأت المشكلة الأكبر لأي شاب يُقبل على الزواج (خصوصا حين لا يكون والده نائبًا في إحدى السلطات التشريعية، أو صاحب منصب عالٍ في إحدى الحكومات الوطنية وغير الوطنية، أو مُهرِّبًا، أو تاجر مخدرات.. إلخ) ولأن مرتب ابني لا يكفي لتأجير شقة صغيرة تجاوزنا هذا الخيار.

وقررنا الفترة الأخيرة أن نجمع مدخرات الأسرة مع صك الإعانة، وبعض الاقتراضات، ونشرع في بناء غرفتين على سطح البيت من الممكن أن يبدأ فيهما حياته الزوجية، ولأن كل هذه المبالغ محبوسة في المصارف، كنا نعرض على تجار مواد البناء أن ندفع لهم صكوكًا أو عن طريق خدمات مصرفية، وكانوا يرفضون، وحجتهم أن تجار الجملة لا يقبلون إلا (كاش)، لذلك سلكنا الطريق البديل، أو ما يسميه الناس بعملية (القلب) وهي أن تذهب إلى أحد دكاكين الصرافة بصك وتقلبه إلى سيولة بعد خصم النسبة التي تصل أحيانًا إلى 15%، وحين يكون المبلغ المراد (قلبه) صك إعانة بعشرين ألف دينار فما سيخصم يساوي 3 آلاف دينار، تقريبًا ثمن الإسمنت والطوب الذي من المفترض أن نستخدمه للبناء، ونكتشف أن ما نتحصل عليه من سيولة من تجار العملة هي أوراق نقدية جديدة، لم تُتداول سابقًا، مربوطة كما خرجت من المصرف المركزي، والمفترض أن تكون في المصارف وليس في دكاكين المتاجرة بالعملة الوطنية، ولكن تعويذة الليبيين أمام هذا الغُلب قولهم الشهير (الله غالب).

وبالطبع كانت العملة التي وفرتها المصارف للمضاربين من فئة الخمسين دينارًا، كل ورقة منها جديدة ولامعة (وتذبح الطير) كما يقول الليبيون، لكن رغم كل هذه التنازلات المضنية يحدث ما لم يخطر حتى على بال آلهة النحس، فمعظم محلات مواد البناء أصبحت لا تقبل هذه العملة التي تذبح الطير، باعتبار أنه بدأ يشاع أمر إلغائها أو سحبها أو لا أدري، ولا أدري لأن لا بيان حكوميًّا، أو رسميًّا من المؤسسات المالية بهذا الخصوص، إنها مجرد أقوال تجري في الشارع.

ونسمع أقوالًا أخرى تسري هي أيضًا فمويًّا، مفادها من لا تُقبل منه العملة عليه أن يتقدم بشكوى للحرس البلدي أو أي جهة أمنية باعتبار (رفض العملة الوطنية السارية تهمة سياسية)، وهذا يؤكد ما سبق قلته عن السياسة التي تخترق كل تفاصيل حياتنا، لكني في الواقع لم أستطع أو أتجرأ على تقديم شكوى لأني أعتبر هذه مشكلة دولة تتعلق بسيادتها وليست مشكلة سلع منتهية الصلاحية لكي أتقدم بشكوى للحرس البلدي.

كنت أحس بخجل أن أذهب إلى أي جهة وأقدم شكوى بأن (العملة الوطنية التي سحبتُها من مصرف وطني استلمها بدوره من مصرف مركزي وطني يتبع حكومة وطنية لا تُقبل في المتاجر والدكاكين الوطنية)، وفضلًا عن محلات مواد البناء التي طلبت الدفع كاش ثم رفضت الكاش من فئة الخمسين، كانت بعض المحلات التي نقتات منها ترفض هذه الفئة بحجج أخرى لا يطالها القانون، مثل قولهم آسف لا توجد لدي (فكة)، ويطلب منك بخجل أو دونه أن تشتري سلعًا بما يساوي قيمة كل هذه الفئة، وبعضهم المعتدل يخبرك إذا ما قررت أن تشتري علبة حليب وليس معك إلا فئة الخمسين، أن الحد الأدنى للشراء 25 دينارًا، قائلًا بحرج غير ظاهر: علينا أن نتقاسم الأضرار.

وأحاول أن أشتري أشياء أخرى قد لا أحتاجها من أجل الحد الأدنى، وأخرج مخبوطًا على رأسي لأن فئة العشرين دينارًا، وفئة العشرة دنانير المزينة بصورة أسد الصحراء، وفئة الخمسة دنانير، أصبحت كلها (فكة) في وطن لا ينفك يتفكك وكل ما فيه غدا فكة.

هذه فترة عصيبة مررنا بها، لكن الأمور الآن أفضل بعض الشيء فيما يخص فئة الخمسين، فبعض الأمراض تُشفى لحالها ودون تدخل، ربما نتيجة أن هذا الوطن العجيب يتمتع بمناعة طبيعية اكتسبها خلال عقود طويلة عانى فيها من كل الأمراض. وفي الأحوال جميعها، على المستوى الشخصي، لم أسمع أو أقرأ أي بيان رسمي يتعلق بهذا الأمر المرتبط بقوت يومنا، ولكن حين سألت قريبي (مدير أحد المصارف) أكد لي أن هناك تعليمات (ليست واضحة) بسحب فئة الخمسين لأنها عملة اكتناز وليست عملة تداول.

ولم أفهم كيف تصبح فئة الخمسين دينارًا التي تساوي الآن ستة دولارات عملةَ اكتناز. قلت لقريبي المصرفي أنا لا أحب (الاكتناز) إلا في شيء واحد، ويبدو أنه فهم فضحك وأقفل الخط. أما أنا فكنت عاجزًا عن الضحك رغم الفكاهة السمراء التي بذلتُ جهدًا في ابتكارها في وطن بدأ يصعب فيه الضحك رغم أنه زاخر بكل ما هو مضحك. هذا الوطن العَرَضي الذي نتغنى به ونتفاخر كان دائمًا ناتجًا عرضيًا عن تفاعلات التاريخ التي تمر به أو قربه، تعذب فيه أجدادنا وتعذب فيه آباؤنا وتعذبنا فيه نحن والآن يتعذب فيه أبناؤنا، ولم يتبق قدْرٌ مهم من التفاؤل لأدعو لأحفادنا ألا يتعذبوا..

يُعرِّف المعجمُ اللغوي «الناتجَ العرضي» بأنه الشيء الذي يمكن الحصول عليه ويستفاد منه بعد الحصول على الناتج الرئيسي، مثل الحصول على التبن بعد أخذ محصول الحبوب. ولنتحدث من بداية القرن الماضي حين وقعت ليبيا في أيدي الإيطاليين كناتج عرضي لشهوة أوروبا الاستعمارية وتقاسمها لضفاف المتوسط الأخرى، وبعد 40 عامًا من هذا الغزو نالت ليبيا استقلالها كناتج عرضي عن انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية وخلاف المنتصرين حول ميراث المستعمرة السابقة، ثم جاء انقلاب 1969 كناتج عرضي عن ظاهرة الانقلابات في المنطقة وحمى المد القومي الاشتراكي، وانتهى هذا النظام في العام الحادي عشر بعد الألفين كناتج عرضي عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومن عذاب إلى عذاب تنقل بنا هذا الوطن الذي نحبه، ولب المازوخية أن تحب من (القلب) من يعذبك أو المكانَ الذي تتعذب فيه.

القلب الأخيرة تعني الفؤاد وهي غير (القلب) الذي ذكرته فيما يخص دكاكين بيع العملة الوطنية.