Atwasat

اللامركزية الإدارية مطلب الليبيين

علي المجبري الأحد 19 مايو 2024, 04:24 مساء
علي المجبري

الليبيون شرقا وغربا وجنوبا يطالبون باللامركزية الإدارية، بينما يختلف الكثير منهم في تحديد شكل النظام السياسي الذي يؤدي إلى تحقيق هذا المطلب الكبير.

فإذا سألت أحد المنادين بالفيدرالية: لماذا تفضل هذا النظام لليبيا؟ سيجيبك: إنني أطالب بالاستقلالية الإدارية. والكلام نفسه يقوله أنصار الدولة الموحدة، فهم أيضا ينادون بدولة بسيطة تأخذ بمبدأ اللامركزية الإدارية!

إذن، المطلب الأساسي لهذين الفريقين هو «اللامركزية الإدارية» وليس تقسيم البلاد، فهؤلاء يريدون جرّ الخدمات بأنواعها إلى مدنهم أو أقاليمهم، وهو مطلب مشروع وحق من حقوق المدن الليبية! فالتياران يتمسكان بمبدأ اللامركزية الإدارية، وإن كان لكل منهما وعاؤه السياسي الذي يعول عليه في تحقيق هذا المطلب.

ولنبسّط الأمر أمام الشعب فيجب علينا شرح المفاهيم العامة لنظام اللامركزية الإدارية، وما سبل تحقيقها؟ وهل نحتاج إلى أن نتعادى ونتصارع من أجل تحقيقها؟ وهل يوجد شكل سياسي واحد فقط يمكنه تحقيقها في ليبيا!؟

منذ أيام ناقشت العديد من الأصدقاء الفيدراليين، بينهم القاضي والأكاديمي والموظف البسيط: ماذا تعني لك الفيدرالية؟ فكانت إجاباتهم شبه موحّدة: «أن أنجز أعمالي في مدينتي، ولا تضطرني أية أنظمة إدارية للتنقل إلى أماكن أخرى لإنجاز عمل كان يمكن أن أنجزه حيث أقيم، وأن تكون هناك عدالة في توزيع الخدمات والمزايا بين المدن».

وعندما أدركوا أن الفيدرالية هي «نظام سياسي» واللامركزية هي «نظام إداري»، وأن الاستقلالية الإدارية ليست مرتبطة بشكل النظام السياسي للدولة، فقد أجابوا بأن ما يهمهم بالدرجة الأولى هو حصولهم على استقلالية في أداءاتهم الإدارية، وتجنيبهم التنقل القسري من أجلها.

إذن، هؤلاء لا يتمسكون لا بالفيدرالية ولا بالدولة الموحدة، وإنما بحقوق إدارية وإجرائية وخدمات ومزايا غير منقوصة، فتتساوى الصلاحيات الإدارية للمدن والمناطق، ولا تكون إحداها قيّمة على الأخرى. كما تخضع جميع المدن، وبالقدر نفسه، للدستور ورقابة القانون.

إن جميع الليبيين، جنوبا وغربا وشرقا، ينادون بـ«اللامركزية الإدارية»، ويؤيدون نظام المدن المستقلة، وجميعهم ضد غلّ يد المناطق على حساب بسط يد العاصمة، فالليبيون يطالبون بالاستقلالية في أداءات المناطق، والعدالة في توزيع الخدمات والمزايا. ولأن الكثيرين لا يثقون في أداءات الحكومات، ولا يثقون في استمرار هذه المزايا حتى إن تم إقرارها، فإن الشعب لا يطمَئنّ على استمرارية مكتسباته إلا بالنص عليها في دستور البلاد المرتقب.

ولا يوجد ما يمنع من أن تتمتع المناطق بـ«لا مركزية إدارية دستورية» ينص عليها في مواد الدستور الأولى، فلا يتم إلغاؤها يوما ما بإرادة الحكومة أو بمزاجها أو كعقوبة لمدينة أو مدن بعينها كما كان يحدث قبل 17 فبراير 2011.

فاللامركزية تنظيم إداري ومبدأ يعززه حكم الأكثرية، وهي تناقض مفهوم المركزية، وتهدف إلى توزيع الوظائف والسلطات والأشياء بعيدا عن موقع مركزي أو سلطة.

وتعرَّف اللامركزية لغويا بأنها «توزيع الوظيفة الإدارية بين جهاز مركزي وإدارات أخرى»، وهي تعني على المستوى العام «تحويل السلطة إلى الأقاليم والولايات، وجعلها تتمتع باستقلالية في تسيير شؤونها الخاصة عكس المركزية».

أما اصطلاحاً فقد تم تعريفها بأنها «نقل الصلاحية، تشريعيّة كانت أو قضائيّة أو إداريّة، من المستويات الحكومية العامة إلى المستويات الدنيا»، فهي عملية تنظيمية إدارية تتضمن توزيع السلطات على جهات عدة في المستويات الدنيا من الهيكل الإداري «بحيث تكون كل جهة فيها مسؤولة بشكل مباشر عن مسؤولياتها؛ وذلك بهدف إعطاء العمل شكلا أكثر تنظيما ومرونة، بالإضافة إلى إشراك أكبر عدد من المرؤوسين في عملية الإدارة».

أما مقوماتها فهي استقلال الهيئات اللامركزية عن السلطة المركزية، حيث لا بد من تمتع الهيئات اللامركزية بالاستقلالية من النواحي المالية والإدارية حتى تتمكن من ممارسة الوظيفة الإدارية التي تقتضي منها البت في بعض الأمور بشكل نهائي.

فالمواطن المطالب بالدولة الفيدرالية يتطلع إلى استقلالية إدارية لمدينته أو إقليمه، معتقدا أن الفيدرالية هي الوعاء السياسي الوحيد الذي يعزز اللامركزية الإدارية! حتى إن البعض قد يظن أن الفيدرالية ما هي إلا «اللامركزية الإدارية» منطوقة باللغة العربية!

كما أدى اللبس في التفرقة بين «الدولة الموحدة المركزية» و«الدولة الموحدة اللامركزية» إلى الاعتقاد بأن النظامين لا يدعمان مبدأ اللامركزية الإدارية.

فهل يمكن للدولة الموحدة أن تحقق مطلب «اللامركزية الإدارية» أم أن الأمر يتطلب تأسيس دولة فيدرالية؟

فأولا يجب أن نستبعد من خياراتنا الدولة الموحدة المركزية (مثالها جماهيرية القذافي)، ليقتصر كلامنا على الدولة الموحدة اللامركزية.

وهذه الدولة تقوم على أربعة مباديء وأربعة مفاهيم، فالمباديء هي: حكم الأكثرية، وفصل السلطات، والتمثيل والانتخاب، وتداول السلطات سلميا. أما المفاهيم فهي: تجزئة الصلاحيات، والمعارضة الوفية للدولة (حكومة الظل)، وسيادة القانون، واللامركزية.

ففي ظل الدولة الموحدة يمكن أن تقوم السلطة المركزية بمنح هيئات محلية أو إقليمية (منتخبة أو معينة) سلطة إدارة شؤونها المحلية، وإصدار القرارات النهائية فيها دون الرجوع إلى السلطة المركزية، وهو ما يسمى «اللامركزية الإدارية».

فاللامركزية الإدارية نظامٌ إداري وليست نظاما سياسيا، ولا يشترط تنفيذها تطبيق نظام سياسي بعينه، فالذين يخشون اختيار الدولة البسيطة (الموحّدة) التي يتشاءم منها الملذوعون بسياط القذافي طوال العقود الأربعة الماضية، حيث كانت الدولة تدار بسلطة واحدة وسيادة غير مجزّأة، فإن «جماهيرية القذافي» ليست هي الأصل في الدولة البسيطة الموحدة، وإنما هي استثناء.. استثناء سيء من ذلك، بينما لنا في دولة «فرنسا» نموذج رائد للدولة العصرية الموحدة، التي لا علاقة لها بمركزية الإدارة!! حيث تتمتع جميع المدن باستقلالية إدارية لا يقيدها شيء! حتى إن دور الحكومة المركزية يقتصر على مراقبة تصرفات المناطق، للتأكد من مطابقتها الدستور والقانون، تماما كما يعزز النظام الفيدرالي في إسبانيا أو سويسرا مبدأ «اللامركزية الإدارية» بالامتياز نفسه، فالنظام الإداري شيء والنظام السياسي شيءٌ آخر!

ففي ليبيا، لا بد أن يقدم أنصار النظامين السياسيين كل أفكارهم، حتى يتنور الشعب، ويعرف أي النظامين أنجح لتطبيق مبدأ «اللامركزية الإدارية».