Atwasat

مغبة الزواج الثاني

محمد عقيلة العمامي الإثنين 20 مايو 2024, 01:54 مساء
محمد عقيلة العمامي

مكاتب المستشارين في مختلف نواحي الحياة، منتشرة في العالم، في الغالب مؤهلة جدا لتخصصها، تقدم نصائح وخدمات وحلولا لا تحصى لمشاكل عائلية شائكة للغاية. بل يجد المرء عيادات أطباء نفسانيين، تخصصهم مساعدة المحتاجين في حل مشاكلهم العائلية المستعصية عليهم، وأعترف أنني كلما وجدت موضوعا يتناول مثل هذه المشاكل، أتابعه وأتعمق فيه، وأنبهر بالحلول أو النصائح التي ما كانت تخطر على بالي عند قراءة تفاصيل المشكلة المعروضة على متخصص في هذا الشأن، وأنبهر كيف أنه فككها ووضعها أمام أصحابها وكيف قادهم بسلاسة ليتغلبوا عليها وعادت حياتهم هانئة، سواء أكانوا أزواجا، أم شركاء في مصلحة ما.

المشاكل العائلية هي ما تستهويني، وأعترف أنني أحاول أن أستفيد منها، ولكن عبثا، لأن المشكلة ليست في المشكلة ذاتها، ولكنها في أنا شخصيا. قد يكون ذلك بسبب النظرة الذكورية التي عشنا معها ورأينا كيف كان (سي السيد) يطبقها في حياته! ولكنني كثيرا ما أنتبه إلى المشكلة قبل وقوعها، وتجنبت مطباتها، وأعترف أن نجاحي في تنفيذ ذلك قليل جدا!

بلادنا العربية، تخلوا تقريبا من هذا التخصص، ذلك إن استثنينا دولتين أو ثلاث بدأ مستشارو الزواج فيها يقدمون خدماتهم، ولكن ليس بصورة مباشرة، فهم يضعونه كبند في علاج نفسي. فهل غياب مثل هذا التخصص لا نحتاجه، بمعنى أنه ليس لدينا مشاكل بين الأزواج؟ هل نحن مثاليون لدرجة أن البيوت كلها تعيش في وئام، ومحبة ولا توجد مشاكل كالتي نطلع عليها في عيادات أوروبا وأميركا؟ أنا أعتقد أن لدينا مشاكل تحل تحت بند (زق الليلة) أو (مشي الهم باللقم!).

ولقد انتشر هذا التخصص، حتى إنه أصبح له برامج تلفزيونية مشهورة، ولكنه غير موجود في بلادنا على الرغم من كثرة هذه المشاكل والخلافات، التي كثيرا ما انتهت بانهيار أسرة أساسها سوء فهم، أو سلوك يزعج أي من طرفي مؤسسة الزواج.

موضوع مهم عنوانه (هل ستتزوج ثانية )- وتجدر الإشارة إلى أن ديننا يسمح بتعدد الزوجات- ولا أود الدخول في تفاصيله، لأنني عشت هذه التجربة، والخلاصة أن المرء يصل إلى زوجة واحدة فقط هي، الأقرب إليه.

(هل ستتزوج ثانية) موضوع غاية في الأهمية؟ فلقد جمع مستشار زواج عددا من مطلقين ومطلقات - حدث ذلك في واحدة من هذه العيادات الغربية التي تعالج مشاكل الطلاق، اكتشف أن عددا كبير ممن تزوجوا بعد طلاقهم ثانية، لم ينجح زواجهم لسبب بسيط، خلاصته أن الزواج، جرى فقط ليثبت كل منهما أنه ما زال مرغوبا من الطرف الآخر، فعالجوا المشكلة بمشكلة أخرى! والإحصاءات الرسمية، تقول إن زواجا (ثانيا) من أصل اثنين ينتهي بالطلاق! ومع ذلك تعاد الكرة، وتنتهي أيضا بالطلاق، والخلاصة أن60% في الزيجات الثانية تنتهي بالطلاق، ومن خلال دراسة قام بها عدد من مستشاري الزواج، وجمعوا نتائجهم، التي كانت متشابهة، وحصروها في عدد من النقاط. لخصوها في الآتي:

- سرعة الزواج الثاني، دافعها النفسي ليثبت كل منهما للثاني أنه ما زال مرغوبا، فيتأسس زواج من دون أن يبتعدا مسافة كافية من مشكلة زواجهما الأول، وفي الغالب لم يهتما كثيرا بأسباب طلاقهما الأول.

- عدم تفكير الطرفين في القيم المشتركة، وأيضا السلوك الشخصي، فما كان أي من الزوجين يحبه، قد يكون هو سبب طلاق الثاني.

- أولاد الطرفين، في الغالب يتوقف على نجاح الزواج الثاني، على المعالجة الفعلية لأطفال الطرفين، وأساسها النظر بعقل وحكمة لطبيعة العلاقة، ونجاحها يعتمد بالدرجة الأولى على تأسس صداقة بين أحد الطرفين، يسهل من خلالها معالجة ما يطرأ من مشاكل بعقل ورويه، فهما رفيقا رحلة إما أن تكون سلسة ومريحة للطرفين أقصد الزوجين، وأطفالهما من زواجهما الأول، أو أن تكون سببا في طلاق ثان. فلو تأسست صداقة بين الأطفال ووالديهما تزيد تماما من نجاح الزواج، فالعمل على ذلك مهم من الطرفين.

- الجانب المادي المشترك مهم للغاية ليعرف كل طرف ما يمتلكون، مع ترك مساحة لأي منهما أن ينظم حياته بالطريقة التي ترضي الطرفين بحيث يكون همهما هو توفير الحياة الكريمة لهما ولأطفالهما، خصوصا جانب تعليمهما، إن كانوا صغارا.

- تنظيم أوقات حياتهما الزوجية بحيث يكون لهما وقت خاص لهما سواء أكان في بيتهما أو رحلاتهما، بعيدا عن غيرة أطفالهما.

وأكاد أجزم أن هناك من سينبهني، إلى كيف أن ديننا الحنيف عالج مشاكل الزواج، وقد ينبهني آخر إلى أن الصينيين يعتبرون أنهم أقل المشاكل في العالم في حياتهم الزوجية، وغير ذلك كثير من الأمثلة، غير ان ما جعلني أتناول هذا الموضوع هو الأسلوب الحضاري، الذي يمنح فرصة للطرفين لرؤية مشاكلهما وأخطائهما، فيعالجانها قبل تفاقمها، وإيجاد حلول بعيدة عن النظرة الذكورية، وأيضا الدهاء الأنثوي.

العالم الآن يتعامل مع الزواج كشراكة؛ المكسب فيها لا ينفع مطلقا ما لم يتحقق للطرفين، والحلول غالبا منطقية، ودراسة الحالات، تعطى نتائج منطقية، فمثلا، أنا لم أنتبه من قبل إلى سبب سرعة زواج الرجل الليبي مباشرة بعد طلاقه، سواء أكان لديه أطفال أم لا؟ مطالعتي لهذا المقال نبهتني إلى أن حقيقة سرعة زواج من يطلق، دون أن ينتبه إلى مغبة ذلك على أطفاله، إحساسه بأنه ما زال مرغوبا فيه كم، أما الزوجة، في مجتمعنا يختلف أمرها كثيرا، فجمالها، أو مكانة أسرتها، هي التي تقرر ذلك.

ولأن مجتمعنا ذكوري، فإن رؤية المطلق أنه ما زال مرغوبا قد تؤثر كثيرا في حياة أطفاله. أنا مع الذين يرون أن تناول مشاكل الزواج من خلال «عيادات متخصصه» حل حضاري جدا.

وبعض الدول العربية متجهة نحو معالجة مغبة الطلاق بتشجيع مثل هذه العيادات الأسرية النفسية.