Atwasat

معهد ألماني يرصد.. كيف استحوذت المجموعات المسلحة على الدولة في ليبيا؟

القاهرة - بوابة الوسط: ترجمة هبة هشام الثلاثاء 01 أغسطس 2023, 06:59 مساء
WTV_Frequency

توصلت ورقة بحثية نشرها المعهد الألماني للدراسات الدولية والأمنية إلى نتائج تفيد بأن المجموعات المسلحة باتت «تستحوذ» على الدولة، وتمر حاليًا بـ«عملية لإضفاء الطابع المؤسسي على وجودها»؛ حيث وصل ممثلوها إلى مستويات رفيعة في الجيش والأجهزة الأمنية وحتى الحكومة المدنية، وبالتالي فإن مستقبل العملية السياسية يبقى رهينة لتلك القوى.

تشير الورقة البحثية، التي أعدها الخبير الألماني في الشؤون الليبية ولفرام لاخر، إلى أن تلك التشكيلات المسلحة تمارس نفوذًا كبيرًا على القادة والمسؤولين، بالإضافة إلى التحكم في كيفية إدارة وتوزيع الثروات الوطنية.

والنتيجة لهذا التخلخل في مفاصل الدولة، كما يرى الباحث، هي أن تلك التشكيلات المسلحة ستُحدد المشهد السياسي والأمني في ليبيا خلال السنوات المقبلة، بسبب تداخل المصالح الخاصة، وقال: «منذ منتصف العام 2022، اتسمت العلاقات بين الفاعلين العسكريين البارزين بترتيبات براغماتية، لكنها لا تزال تحمل إمكانات كبيرة للصراع؛ حيث يمكن أن تؤدي النزاعات التوزيعية بسرعة إلى مواجهة مسلحة».

نفوذ عسكري لتحقيق مكاسب سياسية ومالية
ويضيف الباحث أن «تطور الجماعات المسلحة في ليبيا يتطلب إعادة تقييم للكيفية التي يتم بها تصور قطاع الأمن الليبي، فإضفاء الطابع الرسمي على هذه الجماعات والنفوذ الهائل لقادتها يظهران أن التشكيلات المسلحة قد أصبحت هي الدولة في ليبيا، وسيظل القطاع الأمني خلال السنوات المقبلة عبارة عن مشهد عسكري يتميز بمراكز قوة متنافسة، يستخدم قادتها النفوذ العسكري لتحقيق مكاسب سياسية ومالية».

منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي العام 2011، تكونت أعداد لا حصر لها من المجموعات المسلحة التي هرعت إلى ملء الفراغ الأمني الناجم عن انهيار النظام، كما تشكلت وحدات جديدة لمقاتلة قوات القذافي، وغالبًا ما عملت تلك المجموعات تحت غطاء من شرعية الدولة، سواء داخل المؤسسات المنشأة حديثًا أو كوحدات تابعة لوزارة الداخلية أو وزارة الدفاع.

لكن الباحث يشير إلى أن تلك المجموعات كان هدفها في المقام الأول الدفاع عن مصالحها والتهرب من سيطرة الدولة، مضيفًا أن التنافس فيما بينها على التمويل الحكومي هو ما أشعل حرب العام 2014، التي أدت إلى تشكيل حكومتين متنافستين.

وحتى بعد انتهاء حرب العام 2014، استمرت الاشتباكات بين مجموعات مسلحة تابعة اسمًا إلى حكومة الوفاق الوطني وقتها في طرابلس، وفي تلك الأثناء، تمكن قائد القيادة العامة للجيش، المشير خليفة حفتر، من زيادة نفوذه شرق وجنوب ليبيا، وفي العام 2019، حاول حفتر السيطرة على طرابلس، ما أشعل جولة ثالثة من القتال انتهت بالعام 2020 مع انسحاب قوات الجيش من المنطقة الغربية.

ومنذ وقتها، قال الباحث: إن «القوات الأجنبية حافظت على توازن غير مستقر للقوى؛ حيث يدعم الجيش التركي الحكومة في طرابلس، بينما تدعم مجموعة فاغنر الروسية القوات المسلحة الليبية».

- «ولفرام لاخر» يرصد.. كيف احتفظ الصديق الكبير بمنصبه خلال عقد من الصراع؟
- خبير ألماني: «نظام جديد شرير» يتشكل في ليبيا وسط حالة من الجمود
- معهد بريطاني: ظهور نخبة جديدة في ليبيا ترفض الانتخابات

المشهد العسكري في ليبيا يمر بمرحلة «دمج»
يلفت الباحث في المعهد الألماني للدراسات الدولية والأمنية إلى تغيرات عدة طرأت على المشهد العسكري؛ حيث مر بعملية دمج بدأت العام 2016، وتسارعت منذ وقتها، واستمرت خلال حالة الجمود السياسي بالعام 2021، وبرزت تشكيلات مسلحة أكبر من المجموعات الصغيرة ذات نفوذ أكبر على الأراضي.

وقال: «حفتر كان الرائد في هذا الصدد؛ حيث حشد تحالفًا فضفاضًا من الجماعات المسلحة في 2014، وزاد من السيطرة المركزية على تحالفه، رغم أن هزيمته في طرابلس بالعام 2020 أدت إلى إضعاف موقفه موقتًا في شرق ليبيا، لكن منذ ذلك الحين استمر أبناؤه في حشد القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية. تم دمج العديد من الوحدات المسلحة تحت قيادة أبناء وأقارب حفتر».

ويعتقد ولفرام لاخر أن «هذه المركزية للسلطة داخل القوات الموالية لحفتر سمحت أيضًا باحتكار السيطرة على الأنشطة الإجرامية، بما في ذلك الاستيلاء على الأراضي بالقوة، والاستيلاء على الشركات والبنوك الحكومية، وتهريب الوقود والمخدرات والبشر. في الوقت نفسه، عزز أبناء حفتر الحلفاء الموالين لهم في جنوب ليبيا، وبالتالي عززوا سيطرتهم المباشرة على المنطقة».

وفي المنطقة الغربية من ليبيا، يلفت الباحث إلى أن عملية الدمج تلك كانت أقل تطورًا، وقال: «بعد أن تولى فائز السراج منصبه في 2016، عمل كارتل من أربعة ميليشيات رئيسية على إخراج المجموعات الأصغر تدريجيًّا من وسط طرابلس، ما سمح لها بفرض سيطرتها على مؤسسات الدولة».

وأضاف: «خلال حرب طرابلس في 2019، أثبتت بعض المجموعات المسلحة من المنطقة الغربية فعاليتها بشكل خاص، وتلقوا بعد الحرب تدريبات ومعدات من تركيا بالإضافة إلى امتياز الوصول إلى أموال الدولة، مما عزز موقفهم».

وتابع: «توطد مشهد التشكيلات المسلحة في طرابلس بشكل أكبر عندما طرد خصومهم مجموعات مسلحة من العاصمة في العام 2022. حدث هذا في سياق صراع على السلطة بين حكومة الوحدة الوطنية وحكومة فتحي باشاغا المنافسة، ومنذ ذلك الحين، سيطرت مجموعتان مسلحتان فقط على أجزاء كبيرة من طرابلس: جهاز الردع التابع لعبد الرؤوف قرة، وجهاز دعم الاستقرار لعبد الغني غنيوة الككلي».

المجموعات المسلحة تمر بمرحلة إضفاء الطابع المؤسسي على أنشطتها
وبعد توقف العمليات العسكرية بشكل كبير في غالبية أجزاء ليبيا، تشير الورقة البحثية إلى أن المجموعات المسلحة التي برزت خلال الحرب تخضع إلى عملية لإضفاء الطابع الرسمي على عملياتها في نواحٍ عدة.

وتبرز تلك العملية، حسب الباحث الألماني، في «الروابط بين المجموعات المسلحة والدولة، حيث دخلت تلك المجموعات المؤسسات الحكومية الرئيسية، بزعم أنهم ممثلون عن الدولة، وتبنت أسماء رسمية على غرار الكتيبة 116، كما عملت على تعيين ضباط كقادة شكليين لهذه الوحدات لإخفاء دور القادة الفعليين».

وقال لاخر: «برز قادة التشكيلات المسلحة تلك كمسؤولين حكوميين، ومن الأمثلة على ذلك وزير داخلية حكومة الوحدة الوطنية، عماد الطرابلسي، ونظيره في الحكومة التابعة لمجلس النواب الشرق، عصام بوزريبا، وهو شقيق نائب قائد جهاز دعم الاستقرار حسن بوزريبا».

وأضاف: «يدين عدد متزايد من كبار المسؤولين بمناصبهم لقادة التشكيلات المسلحة، وبهذا المعنى، فإن سعي الجماعات المسلحة للحصول على وضع رسمي لم يعد مسألة تمويه، فهم الآن يمثلون بالفعل الدولة الليبية كما هي قائمة اليوم».

- تقرير فرنسي يقدم قصة «صعود وسقوط التاجوري» نموذجا.. اشتباكات طرابلس تعيد تشكيل المشهد الأمني بعمق
- دورية ألمانية: هكذا تلعب الجماعات المسلحة دورا في تحديد من يحكم ليبيا
-  تحليل: المجموعات المسلحة تحدد مستقبل العملية السياسية في ليبيا

مشاركة التشكيلات المسلحة في الحياة السياسية الليبية
وفيما يتعلق بالمشهد السياسي في ليبيا، تلفت الورقة البحثية إلى أن المجموعات المسلحة لعبت دورًا محدودًا في هذا الصدد، وغالبًا ما امتلكت هياكل قيادية مشتتة أو أجندات سياسية واضحة، وكان المشير حفتر هو الفاعل العسكري الوحيد الذي شارك في المفاوضات السياسية المقامة تحت مظلة الوسطاء الدوليين باعتباره أحد أصحاب المصلحة الرئيسيين.

ومع ذلك، منذ اندلاع صراع السلطة بين حكومتي الدبيبة وباشاغا، شارك قادة المجموعات المسلحة من الغرب بشكل أكثر فاعلية في المشهد السياسي، وذلك بفضل الثقل السياسي الذي اكتسبوه خلال السنوات الماضية.

ومنذ العام 2022، عقد عدد من قادة التشكيلات المسلحة من غرب ليبيا لقاءات منتظمة مع أبناء حفتر وممثلين آخرين، لمناقشة توزيع المناصب وعائدات الدولة وأيضًا العملية السياسية وشروط الانتخابات المحتملة.

كان أحد التداعيات المباشرة لتلك اللقاءات، حسب الورقة البحثية، «تعيين ممثلين في المناصب الرئيسية، بما في ذلك رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، ومجلس مدراء شركة الكهرباء، ووزير الداخلية وغيرهم».

دور القوات الأجنبية في تغيير موازين القوى عسكريا
تطرق الباحث ولفرام لاخر إلى قضية أخرى وهي استعانة الأطراف الفاعلة في ليبيا بالقوات العسكرية التركية والروسية، وهو ما أطال أمد الصراع والجمود السياسي، لكنه لفت إلى أن «التقارب بين تركيا من جهة ومصر والإمارات من جهة أخرى أدى إلى تقليص احتمالية تجدد التصعيد العسكري، وتطوير العلاقات بين قادة المجموعات في شرق وغرب ليبيا».

مع ذلك، يتخوف الكاتب من حدوث تصعيد عسكري جديد في المستقبل نتيجة دمج القوة العسكرية مع المصالح السياسية والمالية، وقال: «إذا قامت الجهات العسكرية الرئيسية بضرب ترتيبات بعيدة المدى على المدى القصير، فقد يؤدي ذلك إلى نشوب نزاع مسلح على المدى المتوسط. ومن خلال التمتع بامتياز الوصول إلى موارد الدولة، يمكن للجماعات المسلحة أن تصبح قوية بشكل متزايد وبالتالي تشكل تهديدًا متزايدًا لخصومها».

عسكرة العملية السياسية في ليبيا
ومع صعود قادة المجموعات المسلحة في المحيط السياسي، رجح الباحث الألماني أن تهيمن القوة العسكرية على المشهد السياسي خلال السنوات المقبلة، ما يؤثر بالتبعية على المساعي الأممية والغربية لإنهاء الأزمة في ليبيا وإجراء الانتخابات.

كما يتوقع الباحث أن تمارس قادة التشكيلات المسلحة تأثيرًا وصفه بـ«الهائل» على أي عملية انتخابية، بالنظر إلى القوة العسكرية والمالية التي بحوزتهم. وكان هذا واضحًا بالفعل في الفترة التي سبقت الانتخابات التي كان من المقرر إجراؤها في ديسمبر العام 2021.

وقال الباحث: «في مثل هذه البيئة، تواجه القوى السياسية المدنية ظروفًا صعبة. القمع الذي يسيطر من خلاله حفتر على الشرق يتزايد الآن أيضًا في الغرب، ما سيمنع التعبئة السياسية للعديد من الذين ليس لديهم أسلحة لحماية أنفسهم».

تعامل المجتمع الدولي مع قادة التشكيلات المسلحة
وفيما يتعلق بتعامل المجتمع الدولي مع قضية التشكيلات المسلحة في ليبيا، تلفت الورقة البحثية إلى تباين في تعامل القوى الدولية مع قادة المجموعات المسلحة في غرب وشرق ليبيا، وقالت: «حظى حفتر بالاحترام الدولي حينما استقبله الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون العام 2017. ومن خلال اجتماعات لا حصر لها تلت ذلك، منح المسؤولون الغربيون الشرعية الدولية لحفتر دون أن يطلبوا أي تنازلات في المقابل».

وبينما عقد الدبلوماسيون الغربيون لقاءات نادرة مع قادة المجموعات المسلحة في غرب ليبيا، تغير هذا الوضع منذ العام 2022؛ حيث التقى ممثلون غربيون عماد الطرابلسي بصفته وزيرًا للداخلية، وفي ربيع العام 2023، عقد المبعوث الأممي عبدالله باثيلي لقاءات جمعت ممثلين عن المجموعات المسلحة في شرق وغرب ليبيا، في إطار اللجنة العسكرية المشتركة المشرفة على تنفيذ وقف إطلاق النار.

ومع ذلك، تشير الورقة البحثية إلى اختلاف معاملة القوى الغربية لقادة المجموعات المسلحة من غرب ليبيا مقارنة بالتعامل مع المشير حفتر؛ حيث «تودد الأوروبيون إلى الأخير منذ بدأت دائرته المقربة في الضغط على أوروبا مستغلة قضية الهجرة غير الشرعية من شرق ليبيا إلى إيطاليا».

لكن الباحث الألماني يرى أنه على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ممارسة مزيد من الضغوط على قادة المجموعات المسلحة عبر أداة العقوبات، وهذا يتطلب من الحكومات، على غرار ألمانيا، استخدام نفوذها السياسي لإقناع الدول المتشككة، مثل إيطاليا ومالطا، لاستخدام العقوبات ضد حفتر والقوى الموالية له.

كما يمكن للسلطات الأوروبية التحقيق فيما إذا كانت الأصول الأجنبية لأفراد مرتبطين بالتشكيلات المسلحة الليبية مستمدة من أنشطة إجرامية، كما يجب استغلال رغبة قادة المجموعات المسلحة في الحصول على الشرعية كوسيلة ضغط للتأثير على سلوكهم.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
دورة فرنسية لمهندسي المركز الليبي للاستشعار على المساحة التصويرية
دورة فرنسية لمهندسي المركز الليبي للاستشعار على المساحة التصويرية
النيابة تكشف واقعة فساد بـ2.39 مليون دولار في مركز المناهج التعليمية
النيابة تكشف واقعة فساد بـ2.39 مليون دولار في مركز المناهج ...
شاهد: ماذا تريد الولايات المتحدة من حفتر؟
شاهد: ماذا تريد الولايات المتحدة من حفتر؟
%70 من الشركات الإيطالية استأنفت نشاطها حاليا في ليبيا
%70 من الشركات الإيطالية استأنفت نشاطها حاليا في ليبيا
أسعار صرف العملات الدولية مقابل الدينار في السوق الموازية (الثلاثاء 21 مايو 2024)
أسعار صرف العملات الدولية مقابل الدينار في السوق الموازية ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم