جريدة «الوسط»: مدنيون يدفعون فاتورة الفشل الدولي والعناد المحلي

سجلت حرب العاصمة طرابلس بين القوات التابعة للقيادة العامة وقوات حكومة الوفاق تصعيدا عسكريا خلال الأسبوع، كانت له نتائج مأساوية على المدنيين، فخلال 48 ساعة قتلت ثلاث أخوات تحت أنقاض منزلهن الذي استهدفته غارة جوية بحي الفرناج، بينما حصد الرصاص أما وطفليها وشقيقة زوجها، في منطقة الساعدية، جنوب طرابلس.

يوم الإثنين الماضي، استيقظ الليبيون على قصف بالطيران الحربي أصاب منزلا لعائلة في منطقة الفرناج بطرابلس، مما أسفر عن مقتل ثلاث طفلات شقيقات، وقد اتهم رئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، الطيران التابع للقيادة العامة بالوقوف وراء القصف، لكن الناطق باسم القيادة العامة، اللواء أحمد المسماري، قال إن هذه الغارة استهدفت «معسكر المخابرة بالفرناج الذي تتخذه الميليشيات غرفة عمليات». بينما دانت البعثة الأممية الغارة، ووصفتها بـ«الاستخفاف الطائش بحياة الأبرياء».

لم يكن قصف الفرناج هو الحادث الدموي الوحيد هذا الأسبوع، الذي يقتل مدنيين بدم بارد، إذ لقي أربعة أشخاص من عائلة ليبية حتفهم، بعد أن علقوا بمنطقة اشتباكات جنوب العاصمة طرابلس، الأربعاء، وأكد أحد أقارب عائلة التميمي لـ«الوسط»، مقتل «زوجة عبدالرحمن التميمي وابنتيه وشقيقته بالرصاص، بعد أن وجدوا أنفسهم عالقين وسط الاشتباكات بمنطقة الساعدية جنوب طرابلس». ولفت إلى أن «الزوج عبدالرحمن التميمي جرى إسعافه إلى مستشفى ترهونة»، مضيفا أن «عائلة عبدالرحمن التميمي كانت في طريقها إلى بلدة المرازيق جنوب العاصمة طرابلس».

للاطلاع على العدد (204) من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ووسط هذا التصعيد الدموي بحق المدنيين العزل، ومع إخفاق المجتمع الدولي في لجم الأطراف المتقاتلة، بدا واضحا للمتابعين الشأن الليبي أن صراعا محتدما للأدوار الإقليمية والدولية يعرقل انعقاد مؤتمر برلين، الذي عول عليه المحللون كفرصة أخيرة لإسكات أصوات الحرب الهادرة، والعودة إلى طاولة المفاوضات.

وتلوح في الأفق مخاوف من استبعاد أطراف داخلية وإقليمية مهمة من المؤتمر، الذي يعول عليه لحل الأزمة الليبية. فالتحضيرات المتواصلة كشفت تهميش عدد من الدول الفاعلة في حل الأزمة، ومنها الجزائر، مع شكوى تركية من عدم إعطاء مساحة أكبر لأنقرة في المؤتمر، إضافة إلى وجود انتقادات من عدم دعوة أي أطراف ليبية.

وتحاول تركيا أن توجد لنفسها موقعا أكبر على مائدة المؤتمر المرتقب، إذ تحدث وزير خارجيتها، مولود تشاوش أوغلو، في زيارته الأخيرة إلى الجزائر، الأسبوع الماضي، عن تقارب بين أنقرة والجزائر بخصوص الملف الليبي ودعمهما «الحلول السلمية»، قائلا إن بلاده «تصر على مشاركة الجزائر في الاجتماعات الدولية الجارية حول ليبيا باعتبارها فاعلا مهما في هذا الملف». تصريح أوغلو عبر عن غضب بلاده من تهميشها في مؤتمر برلين المرتقب حول ليبيا، وعن آماله في المشاركة في المؤتمر، رفقة المسؤولين الدوليين.

وترافق ذلك مع تقلد قيس سعيد رئاسة البلاد، وهو الحدث الذي أثار ردود فعل إيجابية في الداخل الليبي، لا سيما بعد إعلانه موقفه من مؤتمر برلين خلال المناظرة التي سبقت الانتخابات، إذ قال «هناك استعداد لتنظيم مؤتمر في ألمانيا دون حضور الليبيين، كأن الشعب الليبي غير معني. وهو أمر غير مقبول على الإطلاق لأن القضية قضية الشعب الليبي».

في هذه الأثناء، وتأكيدا على هذه التباينات الحادة، كان إخفاق الدول الأفريقية الثلاث الأعضاء في مجلس الأمن الدولي في الحصول على تعيين موفد مشترك للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لليبيا، بعدما رفضت الدول الغربية إزاحة المبعوث الأممي الحالي، غسان سلامة، وصرح دبلوماسي، طلب عدم كشف هويته، إلى «فرانس برس» بأن الولايات المتحدة والأوروبيين قالوا في اجتماع مغلق طويل جدا، عقد بطلب من جنوب أفريقيا وساحل العاج وغينيا الاستوائية: «لا نقوم بتغييرات في وقت غير مناسب».

ومنذ أن تولى مهامه، اشتكى غسان سلامة مرات عدة من نقص واضح في الدعم من الأسرة الدولية لأداء مهامه. وأوضح دبلوماسيون آخرون أن روسيا والصين لم تميلا إلى أي من الموقفين. فقد دعت الصين إلى «الانسجام» في المجلس، كما قال أحدهم، بينما رأت دول أخرى أنه يمكن التحدث مجددا عن الفكرة الأفريقية في وقت لاحق.

وأشارت الوكالة إلى أن دبلوماسيين كثرا أكدوا أن مشروع نص أفريقيا لم يحصل على الإجماع المطلوب. ويطلب النص الذي حصلت «فرانس برس» على نسخة منه من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، اتخاذ الإجراءات الضرورية للتأكد من المشاركة الفعلية للاتحاد الأفريقي بهدف تسوية الأزمة الليبية. وأكد أحد الدبلوماسيين أن سلامة يوجه تقريرا إلى الاتحاد الأفريقي كل 15 يوما ولم يتلق ردا يوما.

ولفت مصدر دبلوماسي آخر إلى أن الاتحاد الأفريقي ومنذ بداية النزاع في ليبيا «غائب»، ولديه ممثلية في تونس فقط، مما يعكس عدم فهم الغربيين الطلب الأفريقي. وطرح الاتحاد الأفريقي طلب تعيين موفد مشترك مع الأمم المتحدة للمرة الأولى في يوليو الماضي، ثم أعاد تأكيده في سبتمبر من العام الجاري أيضا، خلال اجتماع وزاري أفريقي عقد على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة.

للاطلاع على العدد (204) من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ووسط كل هذا، وأمام عدم ظهور مؤشرات حقيقية لتوافق دولي حول ليبيا، تتواضع الآمال في أن يحقق مؤتمر برلين اختراقا مهما في الأزمة، وينتج مخرجات تختلف عن مخرجات مؤتمري باريس وباليرمو، رغم التأكيدات التي نقلت عن المستشارة الألمانية ميركل، بأنه لن تقدم على استضافة مؤتمر من أجل إصدار بيان.

المزيد من بوابة الوسط