Atwasat

الكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي تتحدث للمرة الأولى منذ إلغاء حفل توزيع جوائزها في «فرانكفورت»

القاهرة - بوابة الوسط الأحد 12 نوفمبر 2023, 04:51 مساء
WTV_Frequency

في منتصف أكتوبر، قررت مؤسسة «ليتبروم»، القيّمة على الجائزة الأدبية التي كان من المقرر تسليمها للكاتبة الفلسطينية عدنية، عدم إقامة حفل تكريم الكاتبة خلال المعرض من دون التنسيق مع الكاتبة، وربطت المؤسّسة قرارها بالحرب الراهنة، معلنةً أنها تبحث عن شكلٍ مناسب لإقامة هذه الفعالية، كما جرى أيضًا إلغاء مناقشة عامة مع أدانيا شبلي ومترجمها غونتر أورث في معرض الكتاب. 

وذكر البيان الذي نشرته إدراة معرض فرانكفورت الدولي للكتاب أن القرار جرى اتخاذه وفقًا لرغبة المؤلفة، بينما قالت عدنية شبلي إنه لم يؤخذ رأيها في القرار، بل عُرض عليها بعد اتخاذه فعلا، وأضافت أنه «لو جرى المضي قدماً في الحفل، لاغتنمت الفرصة للتفكير في دور الأدب في هذه الأوقات القاسية والمؤلمة»

تستدعي عدنية في الحوار الذي أجرته معها جريدة الجارديان الأميركية عبر خاصية الـ«زووم»، وترجمته «بوابة الوسط» ملامح من طفولتها، مرورا بتجاربها الأولى في الكتابة,

عندما كانت طفلة، التقت عدنية شبلي بأول راوية لها في مزرعة اللوز والزيتون التي تملكها عائلتها في فلسطين تقول ععن تلك القترة: «عندما لم يكن لدينا كهرباء، كانت أمي تجمعنا حولها، لأننا كنا خائفين ولا نتمكن من القراءة.، كانت تحكي لنا القصص حتى يعود النور»

لم تكن والدة شبلي تقرأ أو تكتب، لذا فإن القصص التي روتها تعيش الآن فقط في شبلي وأخواتها.

وفي صباح أحد الأيام، في زيوريخ حيث تقيم شبلي، ظلت إحدى هذه الحكايات عالقة في الذاكرة، عوند إعادة سردها، تكسو وجه شبلي ابتسامة عريضة، مثل كل مرة تتحدث فيها عن عائلتها.

في اللحظة التي تقول فيها أنك ستفعل شيئًا ما، عليك أن تفعله
على الرغم من الطلبات التي تراكمت على مكتبها بالعشرات، فقد سافرت إلى كوريا لحضور مهرجان أدبي وترجمة كتابها، لأنها أخبرت الناس في سيول سابقًا أنها ستذهب وأنها لن تتراجع عن كلمتها. «في اللحظة التي تقول فيها أنك ستفعل شيئًا ما، عليك أن تفعله»

هذا الموقف تجاه اللغة هو أيضًا أحد الأسباب التي جعلت شبلي، خلال 25 عامًا من الكتابة، تنشر ثلاث روايات قصيرة فقط: وهي كتب رائعة تتدفق في عمق الروح، وتستحضر الحياة الداخلية للأشخاص. شخصياتها استخدمت اللغة كسلاح، تنحت خلالها حالات من الوجود المرن والجميل.

وينطبق هذا بشكل خاص على كتابها «تفصيل ثانوي»، الذي يتكون من قصتين متشابكتين، في القصة الأولى، التي حدثت في أغسطس 1949، يصادف قائد كتيبة تقوم بتطهير جنوب النقب من العرب والبدو المتبقين، ويختطف ويغتصب ويقتل فتاة بدوية، وفي النصف الثاني من الكتاب، تقرأ امرأة ولدت بعد 25 عامًا من اليوم التالي لهذه الجريمة خبرًا عنها. فتحاول البحث عن المزيد، وتتغلب على جميع العقبات التي يواجهها الفلسطينيون أثناء محاولتهم المرور عبر نقاط التفتيش إلى المكتبات والأرشيف.

أكثر من 350 كاتب ومحرر وناشر من أنحاء العالم يوجهون رسالة مفتوحة لدعم عدنية شبلي
«فرانكفورت الدولي للكتاب» يبدأ فعاليات الدورة الـ75 وسط موجة انسحاب عربية وعالمية  من فعالياته
«مركز القلم» ينظم قراءة في رواية «تفصيل صغير» بألمانيا

يقول الروائي آدم ثيرلويل في رسالة بالبريد الإلكتروني: «إنها معجزة أن يكون الخيال الذي تصنعه عدنية من مثل هذه المواد السياسية المتتالية حيا وملموسا للغاية». «إنه أمر يتعلق بمزيج من الصدق والدقة وفهم الطبيعية، جنبًا إلى جنب مع سيطرتها التركيبية الجامحة ومنظورها الكوميدي السوداوي».

استغرقت شبلي 12 عامًا في تأليف الكتاب، انتقلت خلالها إلى لندن لإكمال درجة الدكتوراه في الإعلام والدراسات الثقافية (كانت أطروحتها حول الإرهاب البصري في 11 سبتمبر)، كان ذلك وقت الانتفاضة الثانية وكانت تعاني من الكوابيس، حيث العيش بعيدًا عن المكان الذي تتحدث فيه لغتها، ما سمح لشبلي أن تعانق تجربتها عن كثب.

شكوى تسببت في غضب مقرري الجائزة
عندما جرى نشر الرواية في ألمانيا في ربيع عام 2022، قوبل كتاب «تفصيل ثانوي» (Minor Detail) بمراجعات مشجعة، ولكن في الفترة التي سبقت معرض فرانكفورت للكتاب، كتب الصحفي كارستن أوتي مراجعة يشكو فيها من أن «جميع الإسرائيليين في الكتاب مغتصبون وقتلة مجهولون، في حين أن الفلسطينيين هم ضحايا محتلين مسمومين أو مستعدين لإطلاق النار». وتعتقد شبلي أن تلك العبارت كانت سببا من أسباب قرار تأجيل جائزتها، ومع ذلك، تقول: «لقد عايشت هذا الأمر برمته كإلهاء عن الألم الحقيقي، وليس أكثر».

وأشارت شبلي إلى أن جميع الشخصيات الفلسطينية في كتابها مجهولة الهوية أيضًا، وفي الواقع، أول مرة نواجه فيها عربًا على الإطلاق في الرواية، لا يرى الجندي سوى ظلالهم: «كانت ظلالهم السوداء النحيلة تتأرجح أحيانًا أمامه، ترتجف بين التلال، لكن تسابقت المركبات نحوهم، وعندما وصلوا لم يجدوا أحداً»

تاريخ من النزوح ثم الهجرة
جاء أسلاف شبلي إلى فلسطين قبل 1000 عام كمقاتلين في جيش صلاح الدين، وجرى تسليم مساحة هائلة من الأرض إلى عائلتها، ولكن مع مرور الوقت جرى تقليصها، أولاً مع الانتداب البريطاني على فلسطين، ثم مع نشأة إسرائيل، وفي النهاية، صادرت الحكومة الإسرائيلية جميع الأراضي، وسمحت لوالدها بالمطالبة أرض من عائلة فلسطينية أخرى، لكنه رفض.

نشأت شبلي في المزرعة المتبقية، وذهبت للعمل في سن الرابعة، وتعلمت القراءة والكتابة باللغة العربية من إحدى شقيقاتها، قبل دخولها المدرسة، كما تعلمت القراءة واللغة الإنجليزية من أخرى، وكانت تتسلل بالكتب إلى الحقول، وتضحك قائلةً: «لقد أمضيت وقتاً أطول مع الماعز مقارنة بوالدي».

لقاء مع محمود درويش
وفي التاسعة من عمرها، أعطتها إحدى شقيقاتها دفترًا لتكتب فيه، وفي الجامعة، كانت تكتب النصوص وتقدمها إلى المجلات في فلسطين، وفي أوائل العشرينات من عمرها، لفتت مقالة كتبتها انتباه الشاعر محمود درويش، الذي استدعاها إلى مكتبه وطلب منها كتابة نص من أربع صفحات، ولما فعلت ذلك، شجعها على المزيد: وهكذا ظهرت روايتها «مساس» أو (Touch).

وبعد ما يقرب من 30 عامًا، تلخص شبلي مرونة القوة اللغوية والمعنى الذي تناوله كتابها على النحو التالي: «في فلسطين وإسرائيل، مثل كثيرين آخرين، نشأت مدركًا أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل. فهي غالباً ما تخفي بدلاً من أن تعبر، وتحمل بين الصمت احتمالات لا نهاية لها لا يسعفها التعبير، لذا يمكن استخدام اللغة بإيجابية أو إساءة استخدامها، ولا يزال بإمكان اللغة منح الحرية المطلقة للوجود وللحب، الذين لا يمنحهما لك الواقع».

 الندبة داخل اللغة أكثر إيلامًا
تقول شبلي: عندما يتعلق الأمر بكونك فلسطينيًا، يمكن أن تكون الندبة داخل اللغة أكثر إيلامًا. كيف تكتب ما لا تستطيع سماعه؟ يبدأ الأمر بحذف «كلمات معينة»، والأكثر إلحاحًا منها هي «فلسطين»، وأسماء الأماكن التي نلفظها باللغة العربية ولكنها لا تظهر أبدًا في لافتات الطرق أو الخرائط، و«صمت كل من حولنا فيما يتعلق بالمكان الذي نعيش فيه». في الماضي، كانت كلمة «عربي» و«العربية» تُعامل على أنها كلمات لعنة.

اللغة كائن واعٍ ومدرك
عندما تتحدث شبلي عن اللغة، غالبًا ما تبدو وكأنها تتحدث عن كائن واعٍ له إرادة خاصة به. كائن يمكن أن يتضرر، منذ تفجر أعمال العنف في إسرائيل وفلسطين، تركتها الكلمات بشكل شبه كامل وأصبحت قلقة بشأن رحيلها. «كنت أخشى دائمًا أن أستيقظ ذات يوم دون أن أتمكن من التحدث، وهذا هو خوفي. وفي الأسابيع الأربعة الأخيرة تخلت عني اللغة، وبدا أنها لم تكن موجودة. كلما حاولت فشلت».

وتضيف عدنية «أفهم الآن أن فقدان اللغة هذا كنتيجة للبقاء مع الألم»

وتقول إن الإلحاح الإعلامي المتكرر في الأسابيع القليلة الماضية، والانتقادات الموجهة إليها لعدم الرد، جعلتها تدرك أننا نميل إلى اختزال الصمت في شيء يجب رفضه، بدلاً من «الاعتراف بالصمت كرفيق للألم» ، وتضيف «الأدب بالنسبة لي هو المكان الوحيد الذي يقبل الصمت».

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
موظفو «ديزني لاند» في كاليفورنيا يلوحون بالإضراب.. ما الأسباب؟
موظفو «ديزني لاند» في كاليفورنيا يلوحون بالإضراب.. ما الأسباب؟
ذاكرة اللافي في ضيافة «حوش محمود بي»
ذاكرة اللافي في ضيافة «حوش محمود بي»
من اشترى أغلى هيكل عظمي لديناصور؟
من اشترى أغلى هيكل عظمي لديناصور؟
يوسف الغرياني يوثِّق حكايات وشخوص المدينة القديمة
يوسف الغرياني يوثِّق حكايات وشخوص المدينة القديمة
«أوركسترا فلسطين للشباب» توجه سلاما «لكل العيون الحزينة» في غزة
«أوركسترا فلسطين للشباب» توجه سلاما «لكل العيون الحزينة» في غزة
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم