الأزمة الليبية في العيد: تصعيد ميداني في المحاور.. واحتكاك أميركي - روسي

احتكاك أميركي روسي على وقع الأزمة الليبية. (أرشيفية: الإنترنت)

لم تفلح دعوة البعثة الأممية إلى «عيد بلا قتال وبلا كراهية» كالعادة في إسكات أصوات المدافع، وتبريد جبهات الحرب بين قوات حكومة الوفاق وقوات القيادة العامة، مع التغير الملحوظ في معادلة حرب العاصمة بعد 13 شهرا من المواجهات، وهو ما توازى مع مباحثات هاتفية متعددة الأطراف بين قوى دولية وإقليمية لإدارة الأزمة الليبية، تبلورت على نحو واضح في سلسلة اتصالات أميركية وروسية هذا الأسبوع، كشفت التباينات الحادة في مواقف الجانبين في الملف الليبي.

ميدانيا، بدا واضحا إصرار طرفي الحرب على كسب مواقع جديدة في محاور القتال، سواء من خلال إعادة انتشار قوات القيادة العامة ودعوة القائد العام للجيش، المشير خليفة حفتر، ضباط وجنود القيادة العامة بجميع المحاور إلى الاستمرار في القتال فيما وصفها بـ«حرب مقدسة مفتوحة على كل الجبهات»، أو قيام قوات الوفاق بتعزيز مكاسب عسكرية أحرزتها خلال الفترة الأخيرة، خصوصا بعد السيطرة على مدن الساحل الغربي وقاعدة جوية استراتيجية (الوطية)، وتدمير عدد من أنظمة الدفاع الجوي الروسية.

تحرك أميركي على مستويين
أما على صعيد الدبلوماسية الدولية، فقد جاءت تحركات واشنطن على مستويين، أولهما من داخل البيت الأبيض عبر تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب «قلقه إزاء تفاقم التدخل الأجنبي في ليبيا، وشدد على ضرورة التهدئة السريعة»، خلال اتصال مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان السبت، دون الكشف عن مزيد من تفاصيل هذه المحادثات الهاتفية. أما المستوى الثاني للتحركات الأميركية، فكان خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية مايك بومبيو ورئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، الجمعة، وأعاد خلاله بومبيو تجديد تأكيده على أنه «لا حل عسكريا للأزمة الليبية، وأن الحل الوحيد يكمن في العودة إلى المسار السياسي، وضرورة الالتزام بنتائج مؤتمر برلين».

بيد أن صلب الموقف الأميركي من التطورات الأخيرة ترجمته تصريحات السفير الأميركي ريتشارد نورلاند - خلال اتصال هاتفي مع السراج السبت، والداعية إلى «حاجة الملحة لإنهاء تدفق المعدات العسكرية والمرتزقة من روسيا وغيرها من الدول إلى ليبيا لأنها عوامل تزعزع الاستقرار»، وهو ما اعتبره دبلوماسيون انعكاسا للشاغل الأميركي الأكبر في الملف الليبي وهو وجود قوات «فاغنر» في ليبيا، خصوصا مع إعلان القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» رصد طائرات مقاتلة روسية قدمت إلى ليبيا «لدعم عناصر فاغنر التي تحارب إلى جانب قوات القيادة العامة».

ووفق هذا التقدير يمكن قراءة التصريحات اللافتة التي صدرت عن السفارة الأميركية لدى ليبيا، لمناسبة إحياء ذكرى الجنود الأميركيين الذين قتلوا خلال الحرب العالمية الثانية، التي تحدثت عن أنها «تفتخر» بالشراكة مع حكومة الوفاق «الشرعية والمعترف بها من الأمم المتحدة»، بل وتحدث البيان الأميركي عن «قوى تسعى لفرض نظام سياسي جديد بالوسائل العسكرية أو الإرهاب»، دون أن يحدد تلك القوى.

موسكو وتقييم المواقف
في المقابل، كثفت موسكو حراكها الدبلوماسي هذا الأسبوع، وأكدت «أهمية التواصل مع جميع القوى السياسية المهمة في ليبيا من أجل وقف إطلاق النار»، خلال مباحثات الممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، ميخائيل بوغدانوف، مع السفير الإيطالي في موسكو باسكوالي تيراتشيانو الثلاثاء، بيد أن التواصل الروسي اقتصر على رئيس مجلس النواب عقيلة صالح الذي تلقى اتصالا هاتفيا من وزير الخارجية سيرغي لافروف، وجرى خلاله التأكيد أيضا على أنه «لا حل عسكريا للأزمة الليبية»، كما كان الملف الليبي في قلب نقاشات بوغدانوف مع مفوض الاتحاد الأفريقي للسلام والأمن إسماعيل شرقي، والسفير المصري في موسكو، إيهاب نصر، فيما لا يستبعد أن تصب حصيلة تلك المباحثات في خانة إعادة تقييم الموقف الروسي خصوصا بعد التطورات الميدانية الأخيرة في ليبيا.

وعلى نحو غير بعيد من هذا السباق، يلحظ دبلوماسيون ساحة جديدة للسباق على الملف الليبي مسرحها البحر المتوسط، خصوصا بعد ما كشفته جريدة «فزغلياد» الروسية عن واقعة مهاجمة طائرات من طراز «ميغ 29» سفينة وفرقاطة تركيتين في المياه الليبية، في وقت تؤمن داخل دوائر حلف شمال الأطلسي «ناتو» بأن زيادة وجود تركيا في ليبيا، يمكن أن تعمل على تعويض نفوذ روسيا في المنطقة، في وقت أثارت تحركات أنقرة بدورها رد فعل قويًّا من روسيا، التي عززت وجودها في المنطقة الساحلية الشرقية من ليبيا، كما نقلت جريدة «كاثمريني» اليونانية، السبت، عن مصادر دبلوماسية.

صدى إقليمي وتباينات حادة
الحراك الدولي بشأن الملف الليبي، والتطورات الميدانية الأخيرة على الأرض، لقيا صدى على الصعيد الإقليمي عبر دبلوماسية هاتفية متعددة الأطراف على الجانبين المصري والتركي، سواء لإعادة تأكيد مواقف سابقة أو ربما لإعادة ترتيب الحسابات السياسية. فالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي اتفق ورئيس الوزراء اليوناني كرياكوس ميتسوتاكيس، على رفض تدخل أطراف خارجية في الأزمة الليبية، - دون الإشارة إلى تلك الأطراف. وأكدا خلال اتصال هاتفي، الإثنين، أن الوضع في ليبيا «يهدد أمن واستقرار منطقة الجوار الإقليمي الليبي بأسرها امتدادًا لأوروبا»، ما يحتم تكاتف جهود المجتمع الدولي من خلال دعم المساعي الأممية لحل الأزمة، وتنفيذ مخرجات عملية برلين لتسوية القضية»، حسب بيان الرئاسة المصرية. أما مباحثات وزير الخارجية المصري سامح شكري ونظيره الفرنسي جان إيف لودريان، فقد أعادت التأكيد على أهمية العمل على استعادة الأمن والاستقرار والقضاء على الإرهاب في ليبيا، وتحقيق تطلعات شعبها، محذرين من مغبة التدخلات الخارجية في الأزمة، حسب بيان الخارجية المصرية.

على صعيد متصل، بدا أن الموقف التركي أكثر خشونة من خلال هجومه المباشر على الدور الفرنسي في الأزمة الليبية، في إطار تصريحات الناطق باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن بأن «داعمي القائد العام للجيش خليفة حفتر، بمن فيهم فرنسا، يقفون في الجانب الخاطئ من النزاع الليبي». في حين كثف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مساعيه الدبلوماسية على دول الجوار الليبي، وكانت محادثاته الهاتفية مع الرئيسين الجزائري عبدالمجيد تبون والتونسي قيس سعيد الثلاثاء، حيث دعا الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، إلى احترام الشرعية الشعبية في ليبيا، في وقت شدد نظيره التونسي قيس سعيد على ضرورة وجود حل للأزمة في إطار الشرعية الدولية.

مبادرة سودانية.. ولكن
وفي ظل هذا الاستقطاب الحاد، بدا أن صوت المبادرات السياسية لا يلقى الصدى اللازم، خصوصا في ظل استمرار التصعيد الميداني، وإصرار طرفي الأزمة على الوصول بها إلى النهاية، وفي ضوء ذلك يمكن فهم أسباب إخفاق المبادرة السودانية لحل الأزمة التي كشف عنها نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق أول محمد حمدان دقلو «حميدتي»، إذ قال إنه التقى مسؤولا بحكومة الوفاق، وصفه بأنه نائب لرئيس المجلس الرئاسي، دون أن يسميه أو يحدد موعد اللقاء، مشيرا إلى أنه عرض مبادرة للصلح بين الأطراف الليبية المتقاتلة، وبالفعل قبلت بها حكومة الوفاق «لكن الطرف الآخر رفضها»، في إشارة إلى القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر.

ومع شراسة التصعيد المتبادل في حرب المحاور بجنوب العاصمة، قد يبدو منطقيا الدعوة «الإيقاف الفوري للعمليات القتالية في ليبيا وحقن دماء الليبيين، خاصة أن التطورات كلها أظهرت عدم قدرة أي طرف على فرض حلول قسرية أو منفردة تفضي إلى تحقيق الأمن أو بسط الاستقرار على كامل الأراضي الليبية» حسب تعبير الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبوالغيظ، لكن من المحبط القول إن الأزمة قد تنتظر أمدا أطول لظهور إرادة الحل الدولي الناجز، إذ إنه «لا أحد بريء من الفشل، بما في ذلك المجتمع الدولي الذي يتحمل مسؤولية هائلة في استمرار هذا الصراع أو حتى تفاقمه»، وفق رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي.

المزيد من بوابة الوسط