ارتزاق!!؟

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

هناك خرافات كثيرة في حياتنا، وتبعاً لذلك حتماً سنجد خرافيين أو"خرفانيين" أكثر، حيث تتجلى الخرافة واقعاً ملموساً كدلالة على الفراغ والخواء الفكري والمهني، والانحطاط الأخلاقي والسلوكي الذي يعانيه شخص ما.

والخرافات تتجلى بسهولة في موروثنا دون عناء يذكر، وأظن أن الأمر أكثر سهولة في كشف المريدين الخرافيين والخرفانيين في مجالات النشاط الإنساني على العموم، وخصوصاً في مجال السياسة والإعلام.

(وبما أن كثيراً من الخرافات المحيطة بنا من كل جانب في هذا الزمان تصنع غالباً من خلال وسائل الإعلام المكتوبة، والمرئية والمسموعة، فسيبقى الارتزاق هو السمة الأساسية للكثير من تلك الكائنات الخرافية والخرفانية القائمة على تسويق تلك الخرافات).

المرتزقة ليسوا الذين يحملون السلاح ويقاتلون بالإيجار، فقط، بل هم أيضاً أولئك المرتزقة الذين يسخرون إنتاجهم لمن يدفع أكثر.. حيث لا يتورع المرتزق أن يتلون ويجعل (من البحر طحينة) كما يقال ويقوم بتسويق ذلك على أنه حقيقة ماثلة.. بل لا يتورع عن الحديث في كل المواضيع والادعاء بالعلم والمعرفة في كل المواضيع، ويقوم بعرض نفسه لمن يطلب منه «الهوهوة» مقابل المال.. حتى صار المشهد: "أينما تولِّ وجهك، تجدهم تحت الطلب".

ينتشرون كالغربان مشوهين حياتنا بلغو الكلام وزرع الكراهية

على الفضائيات.. ينتشرون كالغربان مشوهين حياتنا بلغو الكلام وزرع الكراهية.. أراهم يصرخون بشتائم لا حصر لها، ومحرضين على الكراهية، ومروجين للإشاعات والأكاذيب.. بضاعتهم رائجة للأسف في مرحلة الفوضى والتشظي القائمة.. ومفرداتهم تدفع إلى ارتكاب المزيد من الحماقات ورفض الممكنات وتغييب الأولويات وبعثرة جهود الخطوة الأولى في عالم الممكن والمعقول!!.
المرتزق لا يكتب عن أي شيء إلا إذا كان وراءه مقابل مادي أو معنوي، وإذا كتب عن أي خلل مجتمعي، وبشكل متكرر، فذلك ليس بدافع أخلاقي أو انحيازاً للقيم والمبادئ ولكن غالباً ما يحدث ذلك ضمن سياسة الابتزاز المجربة والتي تأتي له بالنفع المادي، أو تتم تحت بند تصفية الحسابات والإضرار بخصم الذي دفع له، تلك هي السمة البارزة عند هذه العينة من الكتبة والنشطاء والمحللين السياسيين في قنواتنا الفضائية الذين تكاثروا بشكل لافت كالذباب حول القمامة.

تتدنى لغتهم إلى أدنى مستوى لفظاً ومعنى ولا يتورعون عن اللجوء إلى الكذب والتدليس والشتم والقذف وكيل التهم دون أدلة... هم صنف من البشر ولكنهم كالحرباء لا مانع لديهم من تغيير خط سيرهم في غمضة عين لمجرد ظهور عرض جديد يسيل له لعابه.. يتهمون غيرهم بالكذب والخيانة ويحتكرون الحقيقة حصرياً، يسخرون أنفسهم للحديث في كل شيء والكتابة في كل فن بحجة أنهم من الناصحين وعلى الوطن خائفين.

الحديث عنهم له أهمية لا تخفي من باب المكاشفة وتوصيف وتشخيص المشهد، لأن الإعلام له دور مهم وأساسي في بناء المجتمعات فكرياً وسياسياً وحتي اجتماعياً، وهو ما نحتاجه اليوم ونحن في مرحلة التأسيس التي تسودها الفوضى حتى الآن.

لقد تخلى الكثير من أهل الكتابة عن العقلانية المنتجة للمعرفة السياسية، وتحوّل الباقي إلى "كتبة" عبارة عن ميليشيات "كلامنجية" ينتجون نصوصاً توظـف في المهاترات الكلامية، وتسوّق ألفاظ الذم والتجريح والتشنيع والتخوين وما شابه ذلك من مفردات الإسفاف والبذاءة.

*قطعاً ثمة كتَّاب وصحفيون ومدونون شرفاء يشكلون استثناءً في المشهد الإعلامي الوطني، ولكن أحببت أن أشير إلى ذلك النموذج.. من باب التذكير بأن "ليس كل ما يلمع ذهباً".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات