بريطانيا في مخيال المؤامرة

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

نعني بـ(المخيال) هنا: مجموعة من المعتقدات الملتبسة التي تتصوّرها الروح وتجرّدها من وقائع غير مترابطة، وتجسّدها في المتخيّل خارج كل رقابة أوسيطرة. كما نعني بالمؤامرة، النمط الذي عناه الكاتب(عمرأبوالقاسم الككلي) في مقالته المنشورة بموقع بوابة الوسط 10 يناير 2015 بـ"الرؤية العدمية التي تجعل من الغرب (الأوروبي) كليَّ القدرة Omnipotent في كل مايحاك وما يقع من مخططات سياسية في بلداننا متجمعة، والمقابلة من طرفنا باستسلام، ودون مقاومة"

تشغل بريطانيا لمدة مائة عام 1916 ــ 2016 .الحيّز الأكبر في مخيال المؤامرة العربي بدءا من التفاهمات السرية المعروفة بـ"سايكس بيكو" التي أبرمت عام 1916 بين الدبلوماسي الفرنسي (ف. ج. بيكو) والبريطاني (م. سايكس) على تقاسم تركة الإمبراطورية العثمانية وبالتحديد في منطقة الهلال الخصيب. 3والتي أعقبها مؤتمر" سان ريمو" الذي توج هذه التفاهمات باتفاقيات دولية رسميةعام 1920.

لم يطرح أحدٌ من الليبيين المتكسبين! نفوذا وأموالا في المعضلة الاحترابية الليبية تساؤلاً حتى بينه وبين نفسه عن تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على ملّف الأزمة الليبية

شكّلت منذ ذلك الوقت وحتى اليوم في الضمير العربي صدمة خيانة، وعلامة شؤم تاريخي كونها شكلّت لاحقا الدولة الوطنية المكرّسة وظيفة، ومشروعا لخدمة المصالح الجيوسياسية للقوى الاستعمارية الأوروبية العظمى، دون الوضع في الاعتبار الحقائق الاجتماعية والدينية والعرقية للمنطقة؛ وهو ما شكل أساسا لقرن من الحروب والصراعات.. وفرض نظاما سياسيا على الشرق الأوسط العربي ــ المسلم من قبل قوى أوروبية مسيحية تجاهلت التزاماتها بالاستقلال العربي، ممعنة في هزيمة حركاته الوطنية.

معقّبات ماسمّي بانتفاضات الربيع العربي 2012 ــ 2016 ، أعادت مخيال المؤامرةالسياسية العربي للاشتغال من جديد بعد مرور 100 سنة على"سايكس بيكو" بما طرح من بدائل ترهص لـ"سايكس بيكو مجدّدة"، قد تكون أكثر خطورة على المستقبل العربي.

منها التقسيم بحكم الواقع (de facto partition) المكرّس لحالة ما يسمى بالدولة الفاشلة (failed state) و في هذا النمط تندرج الحالة الليبية ضمن حالات عربية أخرى، ويتأكد هذا النوع من التقسيم عندما تطول فترة الانفصال ويتحول المؤقت إلى دائم وتعجز القوى المحلية والدولية عن تغيير الواقع. وهذا التقسيم الذي يمسّ الجغرافيا، معبرا عن فوضى الاحتراب الأهلي والانقسام المجتمعي، يصاحبه تشكل هويات واقتصاديات جديدة تصبح فيما بعد عائقا أمام الوحدة الوطنية للدولة.

خطورة هذا التقسيم الجاري في الحالة الليبية، حسب المعطيات القبلية والإثنية الموجودة والمفعّلة انقساميا بشكل ملفت على الأرض منذ عامين. أن تصبح الدولة مقسمة بنيويا على أرض الواقع ولكنها تبقى دولة بالشكل فقط فاقدة لأهم مكون لها المتمثل في احتكار القوة.

النمط التقسيمي الثاني المحتمل للدولة العربية (السايس/بيكوية) هو الفيدرالية القائمة على أنقاض الدولة المطاح بها والممركزة في حالة ليبيا 1969 ــ 2011 على استبداد الحاكم الفرداني. النظام الفيدرالي في شكل دولة الاستقلال الليبية 1951 ــ 1964 الذي ساهمت بريطانيا كدولة منتدبة في إرسائه ليس المعني هنا. ولكن المعني هو المسخ الملّفق لشكل الدولة الخارجة من صراع دموي كـ (ليبيا) والمؤدي إلى تقسيم فعلي للبلاد أو إنشاء دولة فيدرالية على أسس انقسامية مجتمعية، تُبقيها حبيسة صراعات قادمة طويلة لا تنتهي، وإن لم تقسم لاحقا فانها قد تتحول إلى ما يسمى في الأدبيات السياسية السائدة بعد تحولات الربيع العربي بالدولة الهشّة (fragile state)

النمط الثالث وهو"شبه الدولة" حسب تسمية أستاذ العلوم السياسية (روبرت جاكسون) الذي درس نشوء الدول بعد الحرب العالمية الثانية فيما عُرف لاحقا بالعالم الثالث، وهو النموذج الذي تفرض به حكومة الدولة السيطرة على حدودها ولكنها تفتقد للقدرة التشغيلية للدولة وتعتمد على المساعدات التي تأتيها من المجموعة الدولية ومثالها- بتعبير الرئيس السيسي ذاته- (مصر)، وهو مايستهدفه برنامج التفقير النفطي، وإهدار الموارد والأرصدة في الفوضى المؤسسية الليبية الراهنة.

لم يطرح أحدٌ من الليبيين المتكسبين! نفوذا وأموالا في المعضلة الاحترابية الليبية تساؤلاً حتى بينه وبين نفسه عن" تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على ملّف الأزمة الليبية" ؟ نحن الكتاب المنهمين فكريا بالشأن الليبي، وإن كنا نقبع على العتبة ،إن لم يكن في الهامش سنطرح السؤال على أنفسنا ونجيب عليه، بالرؤية السياسية المنهجية التي تقرأ المواقف الدولية (السايس/بيكوية) ومابعدها، بمايمكن تسميته بـ "إعادة التموضع" السياسي المصالحي، ومثاله إعادة التموضع (البريطاني) ،في المشهديات النزاعية بمابعد تحولات الربيع العربي ونموذجه البارز في المشهد النزاعي الليبي.

فبالنظر إلى المعطيات الخبرية والصحفية السيارة كـ : تصريح السفير البريطاني لدى ليبيا، بيتر ميليت، في حواره مع فضائية «ليبيا» في30 .06 . 2016 ، بتأكيد "التزام بلاده بسياستها ؟! في الملف الليبي، دون التأثر بخروجها من الاتحاد الأوروبي " أو ما تحدثت به تقارير إعلامية بخصوص عمليات سرية نفذتها قوات بريطانية كخدمة القوارب الخاصة (ساس) والتي أسفرت عن مقتل ثلاث بريطانيين منسوبين لـ (داعش) سرت ، أو ما نقلته جريدة «ديلي ستار صنداي» عن" قتل قناص يتبع قوات بريطانية خاصة اثنين من عناصر التنظيم الإرهابي قبل تنفيذ مهمتهم الانتحارية في العاصمة طرابلس" أو مابيّنه تقرير (ديكلان وولش) مراسل الـ (نيويورك تايمز) المنشورة ترجمته في موقع بوابة الوسط3 يوليو 2016 بانخراط عسكري استشاري بريطاني/ أميركي،في عملية (البنيان المرصوص) ، رغم الخسائر البشرية الباهظة التي كلّفتها حتى الآن والتي قدّرت بـأزيد من250 قتيل و1200 جريح وفق مصدر طبي في مصراتة، الأمر الذي شكّك القوى الداعمة- وأبرزها بريطانيا ـ كالأمم المتحدة وأوروبا والولايات المتحدة في حكومة الوفاق الوطني، و كشف ضعفها في تأكيد سلطتها السياسية على الأرض وارتباكها، في ما بيّنه (ديكلان وولش) في تقريره المذكور بأن "معظم المقاتلين انضموا للمعارك ضد التنظيم للقتال تحت اسم مدينتهم أو كتائبهم أو لمحض الانتقام".

المهم في موضوعة "إعادة التموضع " البريطاني التكهّنات المطروحة بتخطّي بريطانيا خطوط الاتفاقات الأوروبية الأمنية السابقة بخصوص الملف الليبي

المهم في موضوعة "إعادة التموضع " البريطاني، التكهّنات المطروحة بتخطّي بريطانيا خطوط الاتفاقات الأوروبية الأمنية السابقة بخصوص الملف الليبي، لتبدأ تنفيذ مخططات برجماتية يعزّزها خروجها من الاتحاد الأوروبي وتحللها من أجندته المنسَقة، فيما يضمن لها تموضعا جذرياً في جغرافيا النفوذ، والمصالح،والأيديولوجيا الجديدة في الغرب الليبي بعد حسم معركة سرت.

وهو مايشي في رأيي بتفكّك التوحّد الأوروبي الغربي الملموس إلى حدّ الآن لحسم المعضلة الليبية والمتكهن بانقسامه إلى محورين بريطاني/ إيطالي متبنى أمريكيا ، يقابله محور فرنسي ألماني أوروبي، بالذات في قضيتين مهمتين هما القضاء على تنظيم داعش وتهديده الإرهابي لأمن الدول في شمال قارة أفريقيا وجنوبها، والضفة الجنوبية لأوروبا، مضافا إليه، عصف الهجرة غير الشرعية التي صارت ليبيا- بعد إبرام الاتفاقية الأوروبية- التركية- ملاذها الوحيد وطريقها الرئيسي، والكارثي على أوروبا.

فرنسا الدولة المحورية في الاتحاد الأوروبي المصدوم من خروج بريطانيا منه، والشريك السياسي النافذ لدول الاتحاد الأوروبي المنخرطة بعمق مصالحها الاقتصادية في ملف الأزمة الليبية، تحركت بسرعة مستعينة بنفوذ زعيم حزب النهضة الإسلامي التونسي (راشد الغنوشي)، للتأثير على الأطراف الإسلامية، المؤثرة في حكومة طرابلس، والتمترس في العملية السياسية والعسكرية الجارية باسم (البنيان المرصوص) بغرض إشراكها طرفا إلى جانب بريطانيا وأمريكا، ربما، في العملية الهادفة للقضاء على التنظيم الإرهابي داعش في سرت، التي تؤكد المصادر وفق مسؤولين ليبيين وجود فرق صغيرة بها من قوات عمليات خاصة بريطانية وأميركية تقوم بمهام المراقبة وتقديم معلومات وإحداثيات الأهداف لقوات المدفعية والطيران.

الإعلامي والمحلل السياسي التونسي (عادل السمعلّي) هو من كشف في لقائه مع فضائية (T.N.N) التونسية29 يونيو 2016 ، النقاب عن الهدف الرئيسي للزيارة الرسمية التي يقوم بها زعيم حركة النهضة لأول مرة إلى فرنسا، بعد التحوّل السياسي في تونس يناير 2011. نتائج وساطة الغنوشي هي ربما ماستحدث تغيّرا في قرائتنا في " إعادة التموضع".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات