في تطور علمي مثير للقلق، كشفت دراسة جديدة أن نوعًا شائعًا من فيروس الورم الحليمي البشري المعروف باسم «بيتا-HPV» قد يكون أكثر خطورة مما كان يُعتقد سابقًا، إذ تبيّن أنه لا يكتفي بتفاقم أضرار الأشعة فوق البنفسجية فحسب، بل يستطيع اختطاف خلايا الجسم لتحفيز نمو السرطان مباشرة.
وقد جاءت هذه النتائج غير المتوقعة بعد دراسة حالة امرأة تبلغ من العمر 34 عامًا كانت تُعاني من نوع عدواني من سرطان الجلد يُعرف بـ«سرطان الخلايا الحرشفية الجلدية» (cSCC)، على جبهتها، حيث استمر الورم في النمو رغم خضوعها للعلاجات الجراحية والمناعية، وفقا للدراسة المنشورة في مجلة «نيو إنجلاند الطبية».
أجرى الباحثون تحليلًا جينيًا دقيقًا لأورام المرأة، ليكتشفوا أن فيروس «بيتا-HPV» قد اندمج في الحمض النووي للورم، وبدأ في إنتاج بروتينات فيروسية تُسهم في تعزيز نمو السرطان. ولم يكن من المعروف سابقًا أن هذا النوع من الفيروس يندمج في الحمض النووي البشري أو أن له دورًا نشطًا في بقاء الورم.
- %83 من حالات سرطان الجلد الميلانيني سببها الأشعة فوق البنفسجية (دراسة)
- «طفل العام 2024».. مراهق أميركي يبتكر «صابون» يعالج سرطان الجلد
تقول الدكتورة أندريا ليسكو، أخصائية المناعة في «المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية» (NIAID): «يشير هذا إلى احتمال وجود مرضى آخرين يعانون من أشكال عدوانية من سرطان الخلايا الحرشفية، نتيجة خلل مناعي كامن، وقد يستفيدون من علاجات تستهدف الجهاز المناعي».
اتضح لاحقًا أن المرأة المصابة كانت تعاني من اضطراب مناعي وراثي يمنع خلاياها التائية من مهاجمة فيروس الورم الحليمي البشري. وقد سلّطت الدراسة الضوء على خلل في بروتين ZAP70، الذي يلعب دورًا محوريًا في تنظيم استجابة الخلايا التائية.
وعلى الرغم من قدرة جسدها على إصلاح الأضرار الناتجة عن الأشعة فوق البنفسجية، فإن ضعف جهازها المناعي أتاح للفيروس فرصة التغلغل في الجلد وتحفيز السرطان. كما كانت تعاني من أمراض أخرى مرتبطة بالفيروس نفسه، مثل الثآليل في الجلد والفم.
بعد التوصل إلى السبب الجذري لحالتها، خضعت المريضة لعملية زرع خلايا جذعية من نخاع العظم بهدف استبدال خلاياها التائية المصابة بخلايا سليمة. وأسفرت العملية عن شفاء تام من السرطان، ولم تظهر عليه أي مؤشرات عودة بعد متابعة دامت ثلاث سنوات.
تعلق ليسكو: «ما كان لهذا الإنجاز أن يتحقق لولا التعاون بين علماء الفيروسات، وأطباء المناعة، والأورام، وزراعة الأعضاء تحت سقف واحد».
نحو فهم أعمق للسرطان والعلاج الموجّه
لا تنكر هذه الدراسة دور الأشعة فوق البنفسجية في الإصابة بسرطان الجلد، لكنها تكشف عن دور خفي قد تلعبه بعض الفيروسات في تحفيز السرطان، خصوصًا لدى أصحاب المناعة الضعيفة. ما يُعزّز أهمية تطوير علاجات شخصية وموجهة تكون أكثر فعالية من الطرق التقليدية.
ويبدو أن هذه الحالة ليست فريدة من نوعها، وهو ما يستدعي مزيدًا من الدراسات لفهم أعمق للصلة بين العدوى الفيروسية وسرطانات الجلد.
تُذكر الدراسة بالتقدم الكبير الذي أُحرز في مكافحة فيروسات مشابهة، مثل «ألفا-HPV» المرتبط بسرطانات عنق الرحم والحلق، حيث أدّى التلقيح الواسع ضده إلى انخفاض كبير في معدلات الوفيات.
وعلى الرغم من أن الشفاء الشامل من السرطان ما زال هدفًا بعيد المنال، فإن تطورات كهذه تمثل خطوات حقيقية نحو تحسين فرص البقاء على قيد الحياة والتعافي.
تختم ليسكو بقولها: «قد يُغير هذا الاكتشاف تمامًا فهمنا لتطور سرطان الخلايا الحرشفية الخلوية، ويقودنا نحو طرق علاجية جديدة وأكثر فاعلية للمصابين بخلل مناعي».
تعليقات